أولًا - قطع الإمداد المادي عن المجاهدين في الداخل:
بعد أن امتدت الثورة وحركة الجهاد العسكرية وتشعبت، ودخلت ميدان العمل الجدي أصبحت باهظة التكاليف مرتفعة النفقات، ولكي نعطي مثالًا عدديًا يمكن أن نقول أن تسليح الأخ المجاهد الواحد بسلاحه الفردي المؤلف من بندقية كلاشنكوف ومسدس وبعض القنابل والذخيرة كان يكلف نحو عشرة آلاف ليرة سورية أي نحو (ألفي دولار) في حينها. ثم غدا أكثر مع ارتفاع أثمان السلاح نتيجة الحرب ونتيجة تعذر ايصاله بفعل الحصار الأمني، كما أن إنشاء مخبأ في بيت عادي بعد شرائه وإعداده كان يكلف بين مئتي ألف إلى مليون ليرة سورية حسب حجمه وأهميته.
هذه القواعد التي وصل عددها في حلب (1980) إلى نحو خمس وخمسين قاعدة لتضم أعضاء التنظيم المكشوف الذي كان في تضخم مستمر أضف إلى ذلك تكاليف المعارك، ونفقات حياة المجاهدين المفرغين والصلات والمعدات ومساعدة المتضررين وأسر الشهداء .. الخ.
كل ذلك رفع تكاليف الحرب التي لم تكن لتغطيها تلك التبرعات البسيطة على أهميتها، والتي كان يجود بها بعض المسلمين معرضين رؤوسهم للقطع، لذلك أصبحت الأموال البسيطة التي أرسلها قادة الإخوان المسلمين من الخارج والتي جمعت باسم الجهاد وعمليات المجاهدين وبواسطة المتاجرة بأخبار حروبهم ودماء شهدائهم، هذه الأموال التي وصل بعضها قبل بعثة (أبي أنس بيانوني) للمفاوضة: أصبحت ذات أهمية استراتيجية، فلما وصلت محاولة سيطرة القيادة الإخوانية السياسية وراء الحدود على قيادة المجاهدين عسكريًا وإخضاعهم، إلى طريق مسدود، اتخذوا قرارًا حازمًا بقطع الأموال عن الداخل ونفذ القرار بإشراف القيادة التي كانت تدار من قبل عدنان سعد الدين - سعيد حوى - علي بيانوني - عبد الله طنطاوي - أديب الجاجة - محمد الحسناوي - وغيرهم، وفي الوقت الذي تكدست فيه مئات الملايين في حسابات القيادة الإخوانية - التنظيم الدولي - في الخارج والتي راحوا يتفقونها في تنظيم شؤون قواعدهم الجديدة، وفي بعض نشاطات التدريب الهشة والصلات السياسية والإعلام، ومئات وقل ألوف الأسفار التي قاموا بها هم ورؤساء أجهزتهم في كل أنحاء العالم للتخطيط لهذه الثورة الإسلامية العتيدة والتي ستكتسح النظام من وراء الحدود .. أو مئات الألوف التي أنفقت في المؤتمرات أو أعمال الإعلام التي لا طائل تحتها، وفي حياة رغيدة عاشتها القيادة وعناصرها في بيوت آمنة ومراكب وثيرة، في ذلك الوقت كان مئات المجاهدين يتضورون جوعًا في الداخل ولا يجدون ثمن طلقات بنادقهم التي صنعت ذلك المجد، وساء الحال أكثر فأكثر، ولم يكن بالإمكان تعويض القواعد المكشوفة فبقي كثير من المجاهدين من غير مأوى. واضطرت قيادتهم لتكديس أعداد كبيرة في قواعد صغيرة كانت تؤدي لخسارة عشرة أو خسمة عشر مجاهدًا في مداهمة واحدة، ومع ازدياد الوضع سوءًا كان العشرات من المجاهدين لا يجدون مأوى إلا الحدائق والمقابر والبساتين والحمامات العامة .. وهم يحملون سلاحهم وعتادهم .. ومع استخدام الدولة لطريقة الحواجز الطائرة، والتمشيط المفاجئ، وقع العشرات ثم المئات منهم ضحية الفاقة والعوز شهداء على الطرقات وفي الحدائق والبساتين ... دون مقابل .. ؟!