فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 564

ومع تردي وتراجع المجاهدين، بدأت مرحلة صعبة من الملاحقة والنكال تعرض لها كل من كان له علاقة بالجهاد والمجاهدين أو أوساط الحركات الإسلامية، وبدأت مرحلة تدفقت فيها المئات والألوف فارّين من هذا الواقع تاركين البلد. فغادر البلد معظم الشيوخ والعلماء حتى الذين لم يكن لهم صلة بالجهاد خوف بطش السلطة الشامل، وتبعهم بذلك معظم وجوه الطبقة الإسلامية وكثير من المواطنين المتورطين بدعم المجاهدين أو بقرابة عائلية بأحدهم. وأخيرًا اضطرت قيادة المجاهدين نفسها وكانت قد اتخذت قرارًا بعدم السماح لمجاهد بمغادرة الساحة اضطرت للسماح لمئات المجاهدين الذين أصبحوا عبئًا ثقيلًا يتعذر تسليحه وإعالته وتأمين مخبأ له، فسمحوا له بالمغادة المؤقتة بانتظار انفراج الأحوال.

ولم يكن من مأمن ولا مقر إلا ذلك الذي هيأه الإخوان المسلمون في الأردن حيث تقاطر الشباب على مدينة الزرقاء حيث المركز الإسلامي مركز استقبال الإخوان الأردنيين للمهاجرين والفارّين والمشردين.

فكان جلّ المغادرين ومنهم المجاهدون ينزلون تحت إشراف قيادة الإخوان المسلمين الذين يهيئون لهم المأوى، ويصرفون لهم راتبًا محددًا، ويشرفون على توزيعهم وإعدادهم وممارسة التوجيه المدروس عليهم، ولم يكن معظم هؤلاء المشردين يعرفون شيئًا عن خلاف طليعي إخواني أو غير هذا من المشاكل، نظرًا لأن معظمهم من أبناء المسلمين الذين التحقوا بالجهاد أثناء الأحداث ولم يكن الوقت ليسمح بفتح مثل هذه المشكلات. فوفَّر هؤلاء الأغرار لقيادة الإخوان قاعدة كبيرة نسبيًا من الشباب تكمل بهم المجد السياسي الذي أنشأه الإخوان خارج الحدود في الأردن والعراق وأمّن لها قاعدة بشرية ترتكز عليها.

صُفيت جيوب الجهاد في معظم المناطق واحدة بعد أخرى ولاسيما مركز ثقله حلب، واستشهد معظم القادة الميدانيين للجهاد أمثال (النقيب إبراهيم اليوسف، أيمن الخطيب، عبد الله زيتوني، حسني عابو، زهير زقلوطة، عبد الغني بكار، عبد المعين السيد، .. ) وبلغت خسائر المجاهدين في حلب وحدها على سبيل المثال خلال الستة شهور التي تلت آذار 1980 أكثر من (600 شهيد) قضى معظمهم في القواعد المداهمة أو على حواجز الأمن في الطرقات ولم يبق من جيوب الجهاد القوية سليمًا إلا الذي تبقى كامنًا في حماة ودمشق التي لم يدخل تنظيمها الذي أشرف عليه أيمن الشربجي المعركة بنفس الثقل الذي حصل في المناطق الأخرى وبعض الشراذم الضعيفة هنا وهناك.

واضطر عدنان عقلة أخيرًا أن يغادر البلد في (1981) للعودة لبحث الحوار مع القادة المسلمين!! خارج البلد، وخلّف وراءه بضع قواعد صفيت كذلك خلال فترة قصيرة بعد مقتل الأخ الشهيد مصطفى قصار رحمه الله تعالى، وسكنت الحالة من جديد وعاد الهدوء، وسيطر الطغيان فاتحًا المجال أمام السلطة لتِثأر من السكان المدنيين.

وإذا أردنا أن نلخص أسباب هذه النكسة الفاجعة بعد ذلك الازدهار الرائع، يمكن أن نصنف ذلك في نوعين من العوامل، أولها متعلق بقيادة الإخوان المسلمين في الخارج وثانيها يعود لقيادة المجاهدين في الطليعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت