فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 564

تابع العمل الجهادي العسكري تقدمه في الفترة التي تلت حادثة المدفعية، ووقعت اشتباكات متعددة وشديدة في كل من مناطق حلب وحماة وحمص وإدلب والساحل وبعض الأعمال العسكرية في المنطقة الشرقية والجنوبية، وكذلك في دمشق. وبلغت وتيرة أعمال الاغتيالات التي نظمت ضد شخصيات النظام العسكرية والسياسية، ورجال الأمن السياسي والعسكري، وأعوان النظام وأعضاء حزب البعث المرتدين من أبناء المسلمين أو من سُمّوا (المخبرين) ، بلغت وتيرة عالية حيث وصلت في مدينة حلب إلى ما يزيد على عشرة اغتيالات يوميًا، عدا أعمال الهجوم والكمائن التي هوجمت بها مراكز السلطة والحزب والأمن ودوريات المخابرات. وجاءت فترة سادت بها قوة المجاهدين، وفَقَدَ النظام أعصابه تمامًا، وبلغ التأييد الجماهيري حدًا غير متوقع كانت ذروته في الأسبوع الأول والثاني والثالث من شهر آذار 1980 حيث اجتاحت المظاهرات الجماهيرية سائر مدن سوريا الهامة، منددة بالسلطة والنصيريين والبعثيين وبأسد وبنظامه مؤيدة المجاهدين، مطالبة إياهم بإعطائها السلاح لمشاركتهم الثورة ولم تمر هذه الأحداث دون مئات الضحايا، وأبدى النظام استعدادًا همجيًا وقحًا للبطش بالأهالي، وحوّل الصدام من كونه مع فئة محدودة من الشباب المسلم المجاهد إلى صدام مع سائر الشعب المسلم في البلاد.

بعيد هذه المظاهرات الجماهيرية اتسعت كوادر التنظيم الجهادي وتكاثر أنصاره، وحمل هذا مزيدًا من الايجابيات والسلبيات، وتطورت وتيرة العمل العسكري وطبيعة عملياته وخبرة أعضائه، وكانت حصيلة الجهاد ما يمكن تسميته نصرًا مؤزرًا بالنظر لواقع الشعب السالف الذي ألف الطغيان والسكوت عليه، فقد تحطمت هيبة السلطة تمامًا، وثبت لكل الناس أن رصاص المجاهدين يمكن له أن يسقط تلك الرؤوس العاتية.

وإشارة واحدة إلى خسائر المجاهدين خلال الفترة الجهادية التي استمرت من ربيع 1979 إلى آذار 1980 تعطينا فكرة عن هذا النصر، إذ لم تتجاوز خسائر المجاهدين وحسب رواية عدنان عقلة الذي كان مسؤولًا عن العمل العسكري في حلب ثلاثًا وستين شهيدًا، سقط معظمهم خلال مداهمة القواعد التي كانت تكشف بفعل المخبرين من عملاء النظام، أو بفعل اعتقال بعض المجاهدين ونادرًا ما حصل هذا في تلك الفترة، حيث كانت مئات من العناصر والوحدات والسرايا من جيش البعث النصيري تحاصر القاعدة التي تضم ما لا يزيد عن خمسة أو ستة مجاهدين، ليدوم الاشتباك الباسل عدة ساعات تتكبد فيها السلطة عشرات القتلى والجرحى وليستشهد جميع المحاصرين من المجاهدين، ومن المثير للدهشة أنه لم يحصل أن استسلمت قاعدة أو مجاهد رغم نداآت الاستسلام وتمنيات السلطة التي كانت دائمًا فاتحة عمليات الحصار.

بلغت ذروة إمكانيات المجاهدين في رمضان 1980 حيث استطاعوا أن يحطموا هيبة الدولة تمامًا وأن يفرضوا أجواء إسلامية على بعض المدن لاسيما حلب وحماة، حيث أغلقت البارات ودور السينما والمطاعم خلال النهار ووقفت الدولة مكتوفة الأيدي.

وبالطبع فقد زادت خلال هذه الفترة وتيرة إرهاب الدولة، وأعمال البطش والنكال بالأهالي المدنيين كنوع من الثأر لفشلها المتكرر مع المجاهدين الذين كسبوا الساحة وملكوا زمام المبادرة وأصبحت أخبار الجهاد تتردد في جميع أنحاء العالم، وتشرق لها نفوس ملايين المسلمين داخل سوريا وخارجها ولاسيما بفعل الإعلام النشط الذي مارسه الإخوان في الخارج ليجنوا ثماره فيما بعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت