لم تمارس الطليعة عملا سياسيا أو مجهودًا سياسيًا بالمعنى الدقيق للكلمة. وقد انحصر نشاطها طيلة فترات عملها المختلف بالجهود العسكرية، ولهذا نجد أن معظم الجهود راحت هدرًا تقريبا ولم يفد منها إلا العبرة ولم تحقق الطليعة ما تصبو إليه من أهداف -طبعا لمشاكل متعددة مر بيانها- ولكن لا شك في أن إحدى تلك المشاكل كان ضعف العمل السياسي بل نكاد نقول انعدامه.
وما يمكن أن نلاحظه في هذا المضمار:
1 -الافتقار لقيادة ذات رؤية سياسية واسعة قادرة على التنظير السياسي على مستوى الطرح والفكرة في بلورة منهج عمل ومجموعة من الأهداف والشعارات تلف حولها الجماهير العريضة التي أيدتها بكل عطاء، وكذلك على مستوى التعامل مع معطيات الساحة والمؤثرين فيها من جماعات وكتل وأحزاب ودول مجاورة منطلقين من فهم شامل لمكانة سوريا وقضية الصراع عليها وطبيعة اللعبة على المستوى الإقليمي والعربي والدولي.
2 -على المستوى الإعلامي وهو جانب مهم من العمل السياسي، كان الإعلام الداخلي ضعيفا في حين انعدم في المجال الخارجي ولم تمارس الطليعة في الخارج أي نوع من الأعمال الإعلامية الناجحة. وفي الداخل اقتصر الإعلام على مجموعة من البيانات ولم تصدر الطليعة كما ينبغي (إلا في وقت متأخر جدا فيما بعد) صحيفة أو مجلة خاصة بها وقد كان إعلامهم عبارة عن مجموعة من البيانات التي غالبا ما كانت مختصرة تطالب الجماهير (بالإضراب مثلا؟) أو أنها كانت بيانات إخبارية لتبين أو تنفي بعض العمليات، أما على المستوى التوجيهي والإعلامي السياسي فكان ضحلا جدا وقد قامت الطليعة ببعض البادرات الطيبة ولكنها كانت بسيطة ونعني بعض أشرطة الكاسيت التوجيهية. كما أهمل الإعلام العسكري ونقصد بعض العمليات ذات الطابع والفائدة الإعلامية، وعلى الرغم من ذلك فقد قامت طلقاتهم الصادقة بعملية إعلام فطرية غير منظمة في تأليف القلوب من حولهم وإعطائهم بعض المكاسب لتعويض خساراتهم بضعف الإعلام والعمل السياسي.
3 -تورط الطليعة بمرحلة لاحقة في العلاقات مع أنظمة الجوار وقد بدأ ذلك من قبول المساعدات من العراق دون قيد أو شرط (بعض كميات السلاح) وتطورت في الخارج بدائرة واسعة من ذلك عندما بدأت كوادرها الباقية بالهجرة خارج الحدود وقد تلقت الطليعة عدة ضربات من جراء ركونها للعلاقات مع تلك الأنظمة دون مخطط مدروس يأخذ بعين الاعتبار عمليا أنها في النهاية أنظمة لا تصنف في قائمة القوى الصديقة إن لم تصنف معادية مرحليا على الأقل. ولقد ساهم الإخوان إلى حد بعيد في حصار الطليعة في العراق ومنع المدد عنها كما بينا ولاسيما أيام حماة ولم تستطع الدبلوماسية الطليعية كسر الطوق.
4 -وقعت الطليعة ممثلة في قائدها عدنان عقلة في فخ الوفاق كما سبق بيانه ونجحت خطة الإخوان الدوليين في حصرهم وعزلهم عن الداخل وسحب البساط من تحت أرجلهم وقد كانت خسارتهم في الوفاق أوضح دليل على ضعف دبلوماسيتهم ومستوى قيادتهم السياسية. صحيح أن السبب الرئيسي في هذا كان طيبة القلب كما عبر (أبو عمار) فيما بعد بقوله: (نحن قوم إذا خدعنا بالله انخدعنا، فالمؤمن غر كريم والفاجر خب لئيم وقد سلمنا قلوبنا لإخواننا) ولكن لم يكن هذا بالمبرر الكافي فقد لعبت بساطتهم أما (مكيافيلية) قيادة الإخوان في حينها على رأسهم عدنان سعد الدين في حصارهم إعلاميا ولم يفارقهم حتى دمروا تقريبا.