قبل أن نبدأ بسرد تاريخ حقبة من أهم ما مر في تاريخ سوريا المعاصر، يجدر بنا أن نلفت النظر لعدة نقاط هامة وأساسية.
أولا: أن هذه العجالة التاريخية لا تفي بالغرض من وجهة نظر تاريخية أكاديمية، وإنما الغرض منها أهداف محددة لخدمة سياق الكتاب وتحقيق جزء من أهدافه، بيد أننا إن شاء الله سنخصص للتوسع في هذه الفقرة كتابا مستقلا يغطي تاريخ هذه الحقبة وأحداثها الجسام، كتابا مشعفا بالوثائق وأسماء المواقع والأشخاص والتواريخ، إذ أننا لا يريد أن يخرج هذا الكتاب عن هدفه من ناحية، كما أننا لا نريد أن نوغر صدور بعض إخواننا بذكر المحرجات في سياق كتاب نريد منه هدفا محددا، فما سنرويه هنا هو السياق العام لتسلسل الأحداث مما يجب ذكره ليطّلع عليه المهتم بقراءة هذا الكتاب وليحيط بالمجرى المنطقي العام لولادة أفكار هذا الكتاب ومقدماتها وقد انبثقت من مشاركة واقعية في التجربة السالفة التي نرويها.
ثانيا: كان لزاما علينا أن نعيد رواية الأحداث ولو بإيجاز لأنها المقدمة أو جزء من المقدمة التاريخية والمنطقية لفكرنا من ناحية، ولأن هذه الأحداث قد أسيئت روايتها عمدا أو جهلا، فغدت لغزًا يصعب فهمه على كثير من المسلمين في سوريا -وهم الشعب المعني بهذا الأمر- كذلك في خارج سوريا وهم شريحة المسلمين الكبرى التي شاركت في الأحداث ماديا أو وجدانيا، فقد أسيئت رواية الأحداث عمدا من جل الذين كانوا مسؤولين عن صنع بعض جوانبها لأغراض شتى، يدخل جلها في باب التحزب وتبرئة المتهمين، وقد حصل هذا خاصة من جانب أغلب أفراد قيادة التنظيم الدولي في سوريا حيث زوروا -ولابد للأسف من قول هذه الكلمة -زوروا الأحداث لأغراض شخصية لا يقرها شرع ولا إسلام:
1 -ليتبنوا بطولات المجاهدين الذين لم يكن لهم بهم علاقة، وليجنوا ثمارها المادية والسياسية.
2 -ليبرئوا أنفسهم من تبعة خسائر ومجازر فادحة لحقت بالمسلمين من جراء سوء إدارتهم للأحداث خلال تلك الفترة وليلقوها على الآخرين.
وقد استباح إخواننا هذا واعتبروه من الكذب المباح ... كما أسيئت روايتها عمدا من جانب جماعات أخرى كانت أقل تورطا في الأحداث لتبرير موقف أو تراجع عن موقف كان قد اتخذ ...
ويدخل في سياق إساءة الرواية عمدا ما فعله أشخاص متناثرون بصرف النظر عن انتماآت محددة، لأغراض شخصية شتى أقلها عرض العضلات ...
أما إساءة رواية الأحداث جهلا، وبصورة غير متعمدة، فقد حصلت من بعض إخواننا الصغار في القواعد، كنتيجة للتربية المهلهلة التي ربت معظم الجماعات قواعدها عليها، لتصنع منهم جيشا من الإمّعات. فكان من الطبيعي أن يردد إخواننا الصغار أكاذيب كبرائهم لأنها تتنزل عليهم من فوق كحق لا جدال فيه، فساهموا في نشر الروايات المزورة، أما القسم الأعظم من الرواية الخاطئة جهلا فقد حصل في قطاع إخوتنا غير السوريين في قيادات التنظيم الدولي وغيره من الجماعات والصحف ووسائل الإعلام بحكم الثقة المتبادلة بينهم، ولأغراض جانبية أخرى تخصهم .. ولم تُعر تلك الجهات بالًا لنداءات الحق التي كانت تندفع هنا وهناك من بعض المخلصين باحثة عن منبر حر يدافع عن الحق الضائع، لأن روايات أولئك القادة والشيوخ الأعلام كانت تعتبر حقائق لا شك فيها ولأن اعتبارات التحزب والانحياز كانت هي السائدة أنذاك.