فهرس الكتاب

الصفحة 487 من 564

أولًا: بين النظرية المجردة والطرح المستخرج من التجربة والتطبيق:

تعمد كل جماعة أو حزب أو تجمع سياسي، ولا سيما تلك التي تطرح برامجها في التغيير والإصلاح على المستوى السياسي، إلى بلورة أفكارها وآراء منظريها، في مجموعة من الشعارات والبرامج والنظريات السياسية، التي تضمنها خلاصة فكرها ووجهة نظرها حول تحقيق هدف مرجو معين ومحدد. ولئن كان من السهل إلى حد ما صياغة العبارات وتزويق البيان وعرض تلك الأفكار في صورة تبدو للسامع العادي معقولة ومنطقية، فإنه ليس من السهل على كل عاقل أن يتقبل سيول هذه الطروحات والبرامج من الجهات المختلفة، والتي تبدو في كثير من الأحيان متضاربة الأهداف مختلفة المشارب، ليس من السهل عليها تقبلها على أنها طروح عملية مؤكدة النتيجة .. وتزداد هذه الصعوبة في القبول إذا كانت التجربة الزمنية لهذه الطروح طويلة إلى حد ما، بشكل يدفع المحلل الحصيف إلى الانتقال إلى دائرة الشك في جدوى مثل هذه الأفكار، أو جدوى تطبيقها، وإمكانية ومدى قربه من النتيجة على الأقل .. هذا الشك، ينقل صاحبه إن هو أمعن الفكر في نوع من هذه الطروحات، إلى الاستنتاج بأنها لا تعدو كونها برامج وأفكار وأهداف فارغة المحتوى، فصيحة البيان ليس لها من حظ في عالم التطبيق العملي والفعلي الذي يرجوه أصحابها منها ... وللحقيقة لا بد من القول، أن كثيرًا من تلك البرامج المطروحة في سوق العمل الإسلامي قد وقعت في هذه الحال المرضية، ونعني بعدها عن الواقع وعدم جدواها، رغم أنها كانت مجدية وعملية وقابلة للتطبيق في وقت من الأوقات، لأنها تحجرت وتصلبت مع الزمن، ولم يتمكن أصحابها من تطوير واقعها على صعيد التكتيك والمحتوى، بما يتلاءم مع تسارع الزمن والحدث الذي غدا رهيبًا في عالمنا المعاصر، فما كان مناسبًا في الثلاثينات غدا غير مناسب في الأربعينات، فكيف به ونحن على أعتاب نهاية القرن العشرين .. إن كثيرًا من تلك الطروحات تبدو في واقعها المتحجر بعد انقضاء هذا الزمن الطويل عليها، وتمسكها بقدسية هشة، تحاط بها آراء المنظرين الأوائل بطريقة لا شك أنها بعدية عن تفكيرهم أنفسهم لو عادوا للحياة الآن، تبدو طروحات بالية فارغة أكثر منها طروحات جادة عملية، إلا أنها لازالت تجني ثمار الهالة التي حققها لها المجددون الأوائل، وتعيش على فتات فضلهم السالف عبر واقع موغل في الفقر والإفلاس.

ولئن كان هذا المرض العضال قد أصاب العديد من الجماعات السياسية في مختلف مناطق العالم، فإن الملاحظ المهتم بأمر الحركة الإسلامية والذي يعلق الأمل عليه كطريق للخلاص والتقدم في سائر بقاع العالم الإسلامي، لا بد له من أن يلاحظ أن حظ الحركة الإسلامية من هذا المرض الخطير العضال وافر إلى حد مؤسف بل ومخيف. فقد خلط معظم القائمين على هذه الحركات بين روعة فكر المجددين والمنظرين الأوائل لهذه الحركات، ووفرة حظه على صعيد القيمة الفكرة التجديدية وغيرها من الميزات، وبين أسلوب أو أساليب أولئك الدعاة التي كانت مناسبة لهم في عصرهم ذلك، فأسبلوا على تلك الأفكار والأساليب معًا رداء من القدسية يشبه كثيرًا رداء الكهنوت، وغدت عندهم شبيهة بحديث من لا يرد كلامه صاحب القبر الشريف عليه الصلاة والسلام، فغدت طريقًا وسنة ومنهجًا متحجرًا لا يتطور على صعيد الأسلوب والطرح، وغدا كل صوت نزيه يرتفع من الصف مطالبًا بالحركة والتجديد وملاءمة الواقع ضربًا من الهرطقة الدينية، سرعان ما يوصم صحابه المخلص المندفع في جبينه بخاتم التطرف والانشقاق والتعجل .. الخ وغالبًا ما ينكفيء أولئك المساكين على أنفسهم، ويخرجون من تلك القافلة المسكينة الموغلة في التيه وصحراء الفشل وضياع الجهود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت