إذا كانت الذخيرة البشرية للتنظيم هي رأسماله الهام، وإذا كانت قوته تقاس بمدى تماسك هذه القاعدة الصلبة التي تتحرك القيادة لتحقيق الأهداف التي تطرحها فإن قضية التربية والتوجيه المعنوي الذي يفترض بالقيادة أن توليه أولى اهتماماتها، وقضية الإعداد بكل أشكاله النفسي والمادي والتدريبي وقضية المنهج الذي يجب أن تربي أفرادها عليه. إن هذه القضية تأتي ولا شك في طليعة القضايا الهامة والمفصلية التي يجب أن توليها القيادة الحكيمة أولى اهتماماتها فبدون إيجاد قاعدة صلبة للتنظيم تفرز كادرا قياديا مسؤولا وواعيا لأمر حركته الجهادية وثورته ومبادئها ومعطياتها ومشاكلها وما إلى ذلك وبدون إيجاد (كادر) بشري مؤمن بهذه الطروح والأفكار يستحيل على القيادة الجهادية تعبئة طليعة قوية يمكن الاعتماد عليها لتعبئة الجماهير فيما بعد وتوجيهها لخدمة الفكرة والهدف.
ولقد كان المجاهدون الأوائل من تلاميذ مروان رحمه الله مدركين لأبعاد قضيتهم الجهادية فكرا وعملا ... وكانت الطريقة الانتقائية في التنظيم الصغير عاملا مساعدا على تماسك الحفنة الطليعة الأولى من الشباب. ولكن تسارع الأحداث واتساع التنظيم واستشهاد معظم تلك الكوادر الناضجة في الجولة الأولى من المعارك ملأ الصف بكوادر شابة لا يميزها إلا الإخلاص والاندفاع. ولم تسمح أجواء المعركة للقيادة بممارسة عملية بناء وتكوين تلك الكوادر، ثم انتقل معظم الناجين للخارج وفشلت القيادات (التي آلت معظم هذه الجموع لقيادتها) في تعبئتها وتربيتها وتكوينها على المدى الطويل رغم توفر الظرف والزمن والطاعة في القاعدة ..
فلم يُتَّبع في الخارج -وقد تساوت في ذلك كل الجماعات- أي منهج مدروس ومنسق لإعادة عملية التربية والتكوين والتوجيه المعنوي وفق منهج معد يأخذ بعين الاعتبار الهدف وطبيعة المعركة وترك هذا الأمر كما تركت كثير من الأمور يكون الحبل فيها على الغارب وهكذا تفشى الجهل واللامبالاة وتنوع الآراء وأصبحت القاعدة مزيجا من الشباب الذي ينقصه البناء الفكري الذي يكمل ذلك الاندفاع الهائل الذي تحلى به غالبية الشباب وبرد الاندفاع مع الزمن لدى الكثيرين الذين لم يعد بربطهم بهذا الخط رابط.