فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 564

بعد تحطم الوفاق كان وجود الطليعة أو ما تبقى منها أشبه بوجود السمك خارج الماء، فاللعبة السياسية والدبلوماسية كانت فنا لا يعرفونه، فقد كانت كل تجربتهم بالتعامل مع الأحداث بالسلاح، وقد نجحوا في ذلك لحد ما، أما في الخارج، فقد كان الوضع مختلفا فقد وقعوا في كماشة قاسية. فمن ناحية إخوانهم المسلمين لم يلقوا إلا جفاء واحتيالا ومحاولات تصفية بعد فشل الوفاق، ومن ناحية التعامل مع الأنظمة -الأردن- العراق- فقد كانوا ضيفا ثقيلا غير مرغوب فيه. ولكن وجوده أمرا واقعا فهم بأصوليتهم لم يكونوا من الصف اللاجئ المرحّب به والذي يمكن أن يكون ورقة رابحة في اللعب، أما من ناحية علاقتهم بالداخل فقد غدت شبه مقطوعة بعد أن صفيت كل خيوطهم وأحكم الإخوان بفضل نجاح لعبة الوفاق بالإمساك بمن تبقى عن طريق البيعة التي أخذت لقيادة الوفاق من مجاهدي الداخل والتي دعمت بالأموال والأسلحة التي كانوا يرسلونها من الإمكانات الهائلة التي توفرت تحت أيدهم.

وهكذا دخلت الطليعة مرحلة قاسية بقيادة عدنان عقلة في الخارج تميزت بظروف في غاية الصعوبة.

أولا: استطاع الإخوان محاصرتهم إعلاميا في أوساط الإسلاميين خارج نطاق السوريين وأمام قواعد الإخوان من الشباب الصغار واستطاعوا أن يلصقوا بهم تهمة التطرف والانشقاق والتمرد على قيادة الوفاق المخلصة التي وحدت المسلمين وحققت أملهم وأمر الله فيهم، وقد نجح الإخوان في حصارهم وتثبيت هذه السمة عليهم بفعل امتدادهم الإعلامي الهائل وإمكانياتهم الواسعة.

ثانيا: عزلوا عن الداخل عسكريا وتحجمت صلاتهم، التي توسعت وغدت بين الإخوان والداخل.

ثالثا: وقوعهم في فاقة مالية شديدة في الخارج نتيجة تحكم الإخوان بمصادر التبرعات، حتى اضطر عدنان لجمع ذهب نساء الطليعة لإرسال بعض العون لمن تبقى من مجاهدي الطليعة في منطقة حمص ذات مرة، كما أعلن إفلاس صندوق الطليعة عدة مرات ودعى الشباب عنده للعمل اليدوي، فانتشر جلهم في عمان يبحثون عن عمل، حتى عمل بعضهم في أقسى مجالات العمل العضلي طلبا للعيش، وكانت الطليعة تتكفف ببعض التبرعات التي تأتيها من هنا وهناك بفعل بعض الصلات الخاصة في أضيق نطاق.

رابعا: أصبحت الطليعة تحت رحمة الإخوان في مجال الوثائق الشخصية والجوازات التي أنشأ لها الإخوان جهازا خاصا قويا. وكانت معظم أمورهم تتم عن طريق الصلات الأخوية بين عناصرهم وبعض الإخوة في قيادات الدرجة الثانية، أو القواعد الإخوانية، وقد حلوا جزءا من مشكلتهم مع العراق، ولكن حتى هذا جف فيما بعد نتيجة موفقهم حيال محاولات التحالف الوطني بين الإخوان والأحزاب التي ترعاها العراق البعثية.

خامسا: برزت ظواهر شاذة في صفوف الطليعة -كما حصل في بعض صفوف الإخوان- على الصعيد السلوكي بشكل قلة التزام أو سوء أخلاق أو دين بعض المجاهدين الذين لم تكن لهم سابقة تربوية طويلة، وكان التحاقهم بالطليعة نتيجة فورة حماسية عاطفية ارتبط التزامهم بها، فلما زالت أجواء الحماس والشحنة العاطفية العسكرية عادوا لفتورهم وسابق حالهم من بعض التصرفات اللامنضبطة إسلاميا.

وقد واجه أبو عمار صعوبات هائلة واضطر إلى التشديد على بعضهم وفصل آخرين لتعديل الوضع لكن التزامه الأدبي والشرعي بهؤلاء المجاهدين القدامى كان معضلة حقيقية، وقد استغل الإخوان هذه النقطة في تشويه سمعة الطليعة إلى حد كبير، ووصم كافة المجاهدين بالانحراف و (السوقية) ظلما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت