فهرس الكتاب

الصفحة 477 من 564

ويقول رحمه الله في موضع آخر من بحثه في ظلال نفس السورة: (لقد شهد تاريخ الدعوة إلى الله نماذج منوعة من نهايات في الأرض مختلفة للدعوات ... شهد مصارع قوم نوح، وقوم هود، وقوم شعيب، وقوم لوط، ونجاة الفئة المؤمنة قليلة العدد مجرد النجاة، ولم يذكر القرآن للناجين دورًا بعد ذلك في الأرض والحياة، وهذه النماذج تقرر أن الله تعالى يريد أحيانًا أن يعجل للمكذبين الطغاة بقسط من العذاب في الدنيا، أما الجزاء الأوفى فهو مرصود لهم هناك.

وشهد تاريخ الدعوة مصرع فرعون وجنوده، ونجاة موسى مع التمكين للقوم في الأرض، لأنهم كانوا فيها أصلح ما كانوا في تاريخهم، وإن لم يرتقوا قط إلى الاستقامة الكاملة، وإلى إقامة دين الله في الأرض، منهجًا للحياة شاملًا، وهذا نموذج غير النماذج الأولى.

وشهد تاريخ الدعوة كذلك مصرع المشركين الذين استعصوا على الهدى والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وانتصار المؤمنين انتصارًا كاملًا مع انتصار العقيدة في نفوسهم انتصارًا عجيبًا، وثم للمرة الوحيدة في تاريخ البشرية، أن أقيم منهج الله مهيمنًا على الحياة في صورة لم تعرفها البشرية قط، من قبل ولا من بعد.

وشهد كما رأينا نموذج أصحاب الأخدود، حيث قضى المؤمنون نحبهم شهداء على يد الكافرين، وأحرقوا عن آخرهم، وشهد نماذج أخرى أقل ظهورًا في سجل التاريخ الإيماني في القديم والحديث، وما يزال يشهد نماذج تتراوح بين هذه النهايات التي حفظها على مدار القرون، ولم يكن بد من النموذج الذي يمثله حادث الأخدود إلى جانب النماذج الأخرى القريب منها والبعيد .. لم يكن بد من هذا النموذج الذي لا ينجو فيه المؤمنون، ولا يؤخذ فيه الكافرون .. ذلك ليستقر في حس المؤمنين -أصحاب دعوة الله- أنهم قد يدعون إلى نهاية كهذه النهاية في طريقهم إلى الله، وأن ليس لهم من الأمر شيء، إنما أمرهم وأمر العقيدة إلى الله .. أن عليهم أن يؤدوا واجبهم ثم يذهبوا، وواجبهم أن يختاروا الله، وأن يؤثروا العقيدة على الحياة، وأن يستعلوا بالإيمان على الفتنة، وأن يصدقوا الله في العمل والنية، ثم يفعل الله بهم وبأعدائهم كما يفعل بدعوته ودينه ما يشاء، وينتهي بهم إلى نهاية من تلك النهايات التي عرفها تاريخ الإيمان أو إلى غيرها مما يعمله هو ويراه.

إنهم أجراء عند الله، أينما وجدوا وكيفما أرادهم أن يعملوا، عملوا وقبضوا الأجر المعلوم وليس لهم ولا عليهم أن تتجه الدعوة إلى مصير، فذلك شأن صاحب الأمر لا شأن الأجير.

وهم يقبضون الدفعة الأولى طمأنينة في القلب، ورفعة في الشعور، وجمالًا في التصور، وانطلاقًا من الأوهام والجواذب، وتحررًا من الخوف والقلق، في كل جال من الأحوال، وهم يقبضون الدفعة الكبرى في الآخرة حسابًا يسيرًا، ونعيمًا كبيرًا، ومع كل دفعة ما هو أكبر منها جميعًا، رضوان الله، وأنهم مختارون ليكونوا أداة لقدره، وشعارًا لقدرته، يفعل بهم في الأرض ما يشاء، وهكذا انتهت التربية بالفئة المختارة من المسلمين في الصور الأولى إلى هذا التصور، الذي أطلقهم من أمر ذواتهم وشخصوهم، فأخرجوا أنفسهم من الأمر البتة، وعملوا أجراء عند صاحب الأمر، ورضوا خيرة الله على أي وضع وأي حال .. إن لله حكمة وراء كل وضع، ووراء كل حال، ومدبر هذا الكون كله المطلع على أوله وآخره، المنسق لأحداثه وروابطه، هو الذي يعرف الحكمة المكنونة في غيبه المستور، الحكمة التي تتفق مع مشيئته في خط السير الطويل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت