فهرس الكتاب

الصفحة 478 من 564

وفي بعض الأحيان يكشف لنا بعد أجيال وقرون، عن حكمة حادث لم يكن معاصروه يدركون حكمته، ولعلهم كانوا يسألون لماذا .. لماذا يارب يقع هذا .. وهذا السؤال هو الجهل الذي يتوقاه المؤمن، لأنه يعرف ابتداء أن هناك حكمة وراء كل قدر، ولأن سعة المجال في تصوره، وبعد المدى في الزمان والمكان، والقيم الموازين تغنيه عن التفكير ابتداء في مثل هذا السؤال، فيسير مع دورة القدر في استسلام واطمئنان.

لقد كان القرآن ينشئ قلوبًا يعدها لحمل الأمانة، وهذه القلوب كان يجب أن تكون من الصلابة والقوة والتجرد، لا تتطلع -وهي تبذل كل شيء، وتحتمل كل شيء- إلى شيء في هذه الأرض ولا تنظر إلا إلى الآخرة، ولا ترجو إلا رضوان الله، قلوبًا مستعدة لقطع رحلة الأرض كلها في نصب وشقاء، وحرمان وتضحية وعذاب حتى الموت، بلا جزاء في هذه الأرض قريب، ولو كان هذا الجزاء هو انتصار هذه الدعوة، وغلبة الإسلام وظهور المسلمين، بل لو كان هذا الجزاء هو هلاك الظالمين بأخذهم أخذ عزيز مقتدر، كما فعل بالمكذبين الأولين، حتى إذا وجدت هذه القلوب التي تعلم أن ليس أمامها في رحلة الأرض إلا أن تعطي بلا مقابل -أي مقابل- وأن تنتظر الآخرة وحدها موعدًا للفصل بين الحق والباطل حتى إذا وجدت هذه القلوب، وعلم الله فيها صدق نيتها على ما بايعت وعاهدت أتاها النصر في الأرض، وائتمنها عليه لا لنفسها ولكن لتقوم بأمانة المنهج الإلهي، وهي أهل لأداة الأمانة منذ كانت لم توعد بشيء من المغنم في الدنيا تتقاضاه، ولم تتطلع إلى شيء من المغنم في الأرض تعطاه، وقد تجردت لله حقًا يوم كانت لا تعلم لها جزاء إلا رضاه ( .... ) وهذه اللفتة جديرة بأن يتدبرها الدعاة إلى الله في كل أرض وفي كل جيل، فهي كفيلة بأن تريهم معالم الطريق واضحة بلا غبش، وأن تثبت خطى الذين يريدون أن يقطعوا الطريق إلى نهايته كيفما كانت هذه النهاية، ثم يكون قدر الله بدعوته وبهم ما يكون، فلا يلفتون في أثناء الطريق الدامي المفروش بالجماجم والأشلاء وبالعرق والدماء إلى نصر أو غلبة، أو فيصل بين الحق والباطل في هذه الأرض .. ولكن إذا كان الله يريد أن يصنع بهم شيئًا من هذا لدعوته ولدينه فسيتم ما يريده الله .. لاجزاء على الآلام والتضحيات ... لا .. فالأرض ليست دار جزاء، وإنما تحقيقًا لقدر الله في دعوته ومنهجه على أيدي ناس من عباده يختارهم، ليمضي بهم من الأمر ما يشاء، وحسبهم هذا الاختيار الكريم الذي تهون إلى جانبه وتصغر هذه الحياة، وكل ما يقع في رحلة الأرض من سراء أو ضراء) [1] .

(1) استعلاء الإيمان لسيد قطب رحمه الله (من كتاب معالم في الطريق) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت