فهرس الكتاب

الصفحة 327 من 564

لقد أصبح فن التنظيم والثورة والحركة السياسية واحدا من أهم العلوم والفنون التي تأتي في قائمة النشاطات الإنسانية التي لا يمكن تطويرها كنظريات فكرية وقواعد هندسية في رأس المنظر دون أن يكون إسقاطها على أرض الواقع هو أساس بلورتها وامتحان صحتها وجدواها ثم الانتقال إلى تطبيقها ... إنه لا يمكن الحكم على نظرية ثورية بالنجاح إلا بمقدار نجاحها على أرض الواقع ... أي بالمردود الفعلي لهذه النظرية، فمعطيات القضية المتشابكة من صراع الأفكار والأيدلوجيات بين الخصوم وتغير موازين القوى في كل لحظة والطابع المتحول بل المتحول بسرعة لتلك العناصر الداخلة في اللعبة، ولاسيما لعبة الحرب يجعل من المستحيل التنظير والتخطيط لها من خلال واقع ثابت جامد ... فهذا النهر الجاري من المعطيات لا يسمح بفهمه والتكيف معه إلا الإبحار فيه والتخطيط له انطلاقا من واقع الحال. والخطأ كل الخطأ، الذي تدفع ثمنه هنا هزائم وإحباطات قد تكون القاضية، وقد تبلغ ضريبتها الألوف من الأرواح ... أن نخطط لهذا النهر المتغير من على الشاطئ الثابت الذي لا يتحرك.

فمختصر القضية أن الحرب فن وعلم لا يمكن إتقانه والتخطيط له إلا من خلال ممارسته ولعل هذا أخص في الحرب الثورية، وتبقى حكمة القائد المخطط لها هو إدراك الثابت والمتحول في هذه اللعبة، ليتمسك بالثابت والذي يبرز هويتها وهدفه ويمكن بناؤه، ويتحول مع المتحول عبر الضرورة للإمساك بالمرونة وحرية الحركة ما أمكن. ومن هنا تأتي ضرورة وحدة القيادة السياسية العسكرية لثورة ما.

لقد أدركنا صحة هذا الكلام بعد التجربة والدرس القاسي من خلال العمل خارج الحدود، ومحاولة إدارة المعركة من خلال ثبات المعطيات وعدم فهمها كمتحرك. والتخطيط لها من فريق لينفذها آخرون ... وبناء على فهم التفاصيل المهمة النابعة من الإجمال الذي قدمنا له في السطور الماضية، بضرورة العمل عبر تسلسل مجموعات التكتيكات العملية، على صعيد بناء التنظيم من جديد وإرساء خطة، وإيصاله إلى ما يمكن أن يسمى تنظيما بالمقياس السياسي والعسكري عبر العمل المباشر في هذا الأمر والتطور وإرساء الأساسيات في هذه الرحلة خاصة من خلال الحركة وعلى ضوء الأمر الواقع هذا على صعيد بعض المتغير مع الاهتمام الكامل بل وإعطاء الأولوية الكاملة لإرساء ما هو ثابت في طريقنا ونعني الجانب الفكري والأيدلوجي أو ما يمكن أن يسمى بالمصطلح السياسي الحديث"نظريتنا الجهادية الثورية"بكل ما تشمله من فكر مدعوم بالدليل الشرعي المستنبط من ديننا ودستورنا وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وما تشمله من الإشارة إلى ثوابت سياسية في مواقف ذات صلة بالعقيدة والفكر والأسلوب وهذا ما حاولنا إثباته في كتاب منفصل ... فما نريد الإشارة إليه هنا، هو مجموعة-التكتيكات المتبعة على صعيد البناء التنظيمي- التخطيط المرحلي للعمل الحركي ولاسيما في مرحلة ما قبل الصدام-التي نحن فيها الآن. لقد تغيرت كثير من المعطيات بعد الهزيمة الفاجعة في الجولة الماضية وأهم تلك التغيرات هو ما طرأ على صعيد البناء النفسي لكثير من إخواننا على كل المستويات من الشيوخ والعلماء وحتى أصغر المجاهدين واستعداداتهم لمثل هذه الطروح ... كثير منها تقدم وتطور وغدا ملائما للطرح، وكثير منها تراجع. ولعب في تراجع المتراجعين وتقدم المتقدمين عوامل متشابكة نفسية واقتصادية وفكرية واجتماعية كما تغيرت معطيات القوى الصديقة والمعادية ... الخ ولذلك إن كثيرا من تصوراتنا تصطدم مع الواقع عندما ننزل بها للعمل الميداني في التنظيم وبنائه، وتعدل نحو الأفضل من خلال العمل وقس على هذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت