فهرس الكتاب

الصفحة 314 من 564

لقد كانت معايشتنا الطويلة للأحداث ومشاركتنا فيها بشكل مباشر ويومي، وما كان في تجربتنا الطويلة المتنوعة وما كان من مئات الحوارات والمناقشات والمناظرات، وساعات التفكير الطويلة في حل هذه المعضلة، وما كنا نستشعره من فرضية الاستمرار فرضية عينية على كل من شارك في الأحداث، ولاسيما ممن حمل السلاح وجاهد ورابط في سبيل الله، ثم ما كان من منهجنا الإيجابي الواقعي في البحث عن الحل والبديل الذي قادنا لنظرة تحليلية شاملة للوضع ومعطياته ولا سيما بعد سقوط راية الجهاد الحقيقية للثورة الإسلامية في سوريا ... كراية إسلامية صافية مجاهدة، ودمار وانتهاء حامليها بهذا المفهوم وخلو الساحة إلا من تلك الطروحات الشاذة أو الواهنة. إن كل ذلك كان يشير وبوضوح تام إلى أن طبيعة الحل الشافي لمعضلة بهذا المستوى يجب أن يكون من النوع الجذري اللاترقيعي .. لقد كان المنطق والحس الإسلامي السليم يشير لهذا على خطورته من استنتاج. هذا فضلا عن أن السنوات البائسة التي تلت استنتاجنا المنطقي هذا، حملت الدليل عقب الدليل على عقم كل حل ترقيعي طرح في الساحة ونفذ ولم يساوي نصيبه من الفشل إلا الإحباط الذي اعترى أصحابه ودفعهم لشبه اليأس ومن ثم اللحاق بقوافل المهزومين من أسلافهم. ورغم أن ذلك الحل كان ثوريا جدا، وأصعب من أن تتحمله عقول كثير من المخلصين الباحثين عن حل، فقد كان إلزاميا شبيها بذلك الذي يلجئ الجراح لبتر عضو مريض اضطرارًا لا حبًا في البتر.

حلا توصلنا إلى اعتقاده من خلال فهمنا لدين الله أولا وللغاية والوسيلة في سياق هذا الفهم ثانيا، بعيدا عن تلك الطريقة العرجاء من التفكير والمكبلة بقيود التقليدية والحزبية التي تعود عليها الكثير من أبناء الحركات الإسلامية بفعل التربية الإمعية التي جاوزت تربية منحرفي الصوفية بكثير في هذا المضمار. ولقد اقتنعنا به واثقين بالله أولا ثم مدفوعين ومتفائلين بالنتيجة التي توصلنا إليها في تحليل الواقع والميراث الجهادي الإيجابي العظيم الذي ننطلق منه وليس من الصفر أو تحت الصفر كما يظن الكثيرون. لقد صار كل المخلصين الذين بحثوا عن الحل والبديل بعيد هذا الدمار الشامل إلى أحد ثلاث حلول بديلة أمام ذلك الواقع المريع:

أولا: الهزيمة والاستسلام للأمر الواقع والانسحاب من هذا الضياع واختلاط الوراق، والانصراف إلى البحث عن الشأن الخاص والتمسك بالدين الشخصي والتخلي عن المسؤولية، واللحاق بركب من انهزم دون أن يكلف نفسه عناء البحث عن بديل، بانتظار أن يعود للجهاد صفاءه والعودة عند ذلك.

ثانيا: الانضمام لجوقات الإصلاح الترقيعي من داخل الجماعة، والتمسك بقدسية الشرعية التنظيمية والعمل على الإصلاح التدريجي تحت عباءة الجماعة.

ثالثا: الحل الجذري وهو تجميع المخلصين المقتنعين بالجهاد والفداء والتضحية وبدء العمل من جديد بعيدا عن هذه التفسخات بتخطيط هادئ شامل وإرساء خط متميز للعمل الجهادي يقوم بهذا العبء وهذا ما كان يعبر عنه بالانشقاق عن الجماعة! فيا غيرة الدين! وقبل أن ننتقل إلى الحديث عن حتمية الحل الجذري وشرعيته دينا وعقلا، يبدو أنه من المفيد التحدث عن مآل أصحاب الطرحين السابقين بعد مضي نحو أربع سنوات أو أكثر على ذلك الدمار الشامل [1] .

أما في رأيي المتواضع فإني مقتنع مع من اقتنع بل مؤمن بأنه الحل الوحيد الناجح والممكن والشرعي جدا بعد سقوط آخر الآمال بالجهاد ونعني سقوط الطليعة بعد محاولاتها الطيبة. كما كانت قد سقطت آمال العسكريين وانتهى حاملوها في صفوف الإخوان المسلمين، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

(1) مضى عليهم الآن عند صدور الطبعة الأولى أكثر من ثماني سنوات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت