فهرس الكتاب

الصفحة 458 من 564

ونحن نعتقد -والله أعلم- أن الجهاد هذه الأيام فرض عين على المسلمين من وجهين:

أولًا: إن اقتصار مفهوم الأعداء على الشكل الذي يفهمه جملة الناس الآن، أنه غزو من قوم آخرين، واحتلال أو اعتداء خارجي، فهم قاصر، لأنه مقتصر على نوع من أنواع التعرض لنزول العدو بأرضنا .. والحقيقة أن كل من أذل المسلمين وانتزع الحكم منهم، وسيطر عليهم واستباح حرماتهم بقوانين الكفر، هو عدو حل بأرضهم. حتى أن جمهور العلماء يعتبرون تلك الدار دار كفر كما بينّا ذلك في حكم الدار ص 53.

فالسلطة الكافرة أو الحاكم الكافر هو ومن معه أمة من دون المسلمين، ولو تسموا بأسمائهم وانتسبوا إليهم، لأن العبرة في التمييز بين أمة الإسلام وأمم الكفر، هو الاعتقاد والجهر به.

فنحن المسلمين، نعيش الآن حالة احتلال غير مباشر، ونزول للعدو بأرضنا، بأسماء كأسمائنا، وباستعانة بأبنائنا، وذراري أهل ديننا .. فهم أمة أخرى غير المسلمين .. وهم أعداء في ذواتهم وسلوكهم ومبادئهم، وأعداء في عمالتهم المباشرة وغير المباشرة لأعداء الإسلام الحقيقيين .. فهم في حقيقة الأمر عدو نزل بأرضنا، ويتعين علينا القتال كفرض عين حيث تنطبق علينا الحالة الثانية من العينية .. ولم يتعرض الفقهاء الأقدمون لهذا التبيان [1] ، لأنه لم يخطر ببالهم أن المسلمين سيصلون لحال كهذه .. وقد اقتصر فهمهم وبيانهم على ما يعلمون من أشكال نزول العدو بأرضنا ..

فلما استجد هذا الحال، لم يكن في الأمة من العلماء العاملين من يبين هذا الأمر ويجهر به، إلا من رحم ربي، وبقي الأمر على هذا الشكل. ومن هنا فهم الإمام البنا حين ذكر حالنا وبين بقوله: (فوجب عينيًا لا مناص منه أن يتجهز كل مسلم .. ) .

وثمة فرق يجب أن ننتبه، بين أن الجهاد الآن فرض عين وهذا ما نؤمن به، وبين قدرة طائفة المسلمين بأرض ما على القيام به .. فهو فرض على من قدر القيام به، ومن لم يقدر وجب عليه أن يعمل على تحقيق القدرة كما بينا ذلك .. [2] والله المطّلع على السر وأخفى، يعلم العاجزين عنه وهم يعملون على رفع العجز، من الذين يبحثون ليتخذوا من دون الله ورسوله والمؤمنين وليجة. وخلاصة الأمر كما قال الشهيد عبد السلام فرج في رسالته (الفريضة الغائبة) (وبالنسبة للأقطار الإسلامية، فإن العدو يقيم في ديارهم، بل أصبح العدو يمتلك زمام الأمور، وذلك العدو هم هؤلاء الحكام الذين انتزعوا قيادة المسلمين ومن هنا فجهادهم فرض عين .. ) .

ثانيًا: أن الجهاد فرض كفاية في أقل أحواله، ويتحول لفرض عين إن لم يقم به أحد من المسلمين، وهي الحال اليوم حيث لايقوم أحد بهذا الفرض تقريبًا في سائر بلدان المسلمين .. فأهل كل بلد آثمون حتى يتصدى له فريق منهم على الأقل، وقبل أن تتحقق الكافية بهذا فهو فرض عين على الجميع.

(1) رغم أن العلماء اتفقوا على أن الحاكم المسلم إن طرأ عليه الكفر أو الردة سقطت ولايته ووجب على الأمة الخروج عليه ونصب إمام مسلم. وقد مر بيان هذا.

(2) قال الإمام ابن تيمية: إذا تعذر الجهاد للضعف أو غيره سقطت الفريضة وتوجب الإعداد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت