كما بينا في الصفحات السالفة .. فالساحة الإسلامية اليوم مليئة بالطروحات والتصورات والايديولوجيات منها الجزئي ومنها الكلي، منها الميال للتربية ومنها الميال للسياسة ومنها الجهادية .. الخ وقد آل الأمر لحال أصبحت فيه تعددية العمل الإسلامي أمرًا واقعًا لا مفر منه.
ومصيبة المصائب أنَّ هذا قد أفرز في أوساط كثيرة حالة من الحزبية العمياء والتناحر الفئوي .. ولم يخدم هذا إلا أعداء الإسلام. وإننا نجد من فهم واقع الأمر أنه لا مفر والحال هذه من التعددية لتباين السبل، بل ولا ضير منها إن أحسن فهم هذه الظاهرة ووجدت الصدور الرحاب .. إننا إن استطعنا أن نصل للحال التي يهتم بها كل فريق بتكامل بنيانه وتصحيح مساره وتبيان وجهة نظره والدفاع عنها بالحسنى والدليل الشرعي ومحاولة الأخذ والعطاء الإيجابي مع الكتل والحركات الأخرى وتجنب الدخول في منازعات إعلامية معلنة أو غير معلنة والتقليل من الحزبية بين القواعد وبين القيادات .. نكون قد وصلنا للمطلوب في ظرف كهذا الظرف .. أما أن نتصور ونحن نحلم مع الحالمين بتوحيد العمل الإسلامي حتى تشمله جماعة واحدة وطرح واحد في بلد واحد أو على مستوى بلاد متعددة، فهذا ضرب من التصور النظري لطبيعة الأشياء. فليخدم الإسلام كلٌ حسب تصوره .. ولابد أن التصور الصحيح والناضج سيفرض نفسه وسيثبت عمليًا لا نظريًا أنه الأجدر باستلام راية الدعوة وعبر العمل لا الكلام.
إنه لم يوقع الحركة الإسلامية بهذه التعددية إلا أنها تجتمع كلها على أنها تتبنى الكلام أكثر من العمل. وقد أثبتت تجربة متطورة كالتجربة السورية أن حرارة الجهاد وصدق الطرح القتالي قد وحد مجاهدين من صفوف شتى .. وأن العودة لمجالات الكلام عادت بهم لشرذمة أشد من سابقتها أيام السلم ..
لقد طرح الشهيد البنا رحمه الله شعاره المعروف"لنعمل على مااتفقنا عليه وليعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه"وفهم نفر من الناس هذا الكلام على أنه يقضي ضم كل مسلم مهما كان طرحه ومهما كان خطُّ مساره تحت ظل جماعة واحدة، فيعملون على ما اتفقوا عليه وهو مجموعة من الشعارات والطروح ويعذر بعضهم بعضًا فيما اختلفوا فيه على إطلاق هذا المجال في الاختلاف، ودون التطرق لمدى الإعذار .. وأثبت هذا الشعار بهذا الفهم أنه خاطئ وفاشل فقد نتج عنه لفترة ما تواجد الناس فعلًا في جماعة واحدة، ولكن تبيان التصور، وتباعد الطرح، لم يكن ليتسع له المجال غير المحدود من الأعذار .. فحصلت حالات من المخاض ولدت حالات من الولادة الطبيعية وغير الطبيعية لجماعات شتى. ولكن في أجواء متوترة .. مما أفرز هذه الحالة المأسوية من التشرذم السلبي. وكان من الممكن أن يكون مقبولًا بدلًا منه حالة من التعددية الإيجابية.
ولكن يجب القول أن الشخصيات القيادية في كثير من الجماعات أزكت نار هذه الظاهرة وتحت دوافع قد تكون طيبة كالحرص، وقد تكون شريرة كالأهواء الشخصية والزعامة.
(1) ثمة فقرة ملحة بهذا الموضوع تمّ وضعها أثناء إضافات الملحق (الفصل الرابع) وفيها أثبتنا آخر قناعاتنا في هذا الباب بعد ازدادت حدة التمايز في صفوف العمل الإسلامي. فتراجع هناك.