بعد أن كان الإعداد قد انتهى، والخلايا القتالية قد تشكلت في وضع الجاهزية، والشباب المقاتلون ينامون في سياراتهم، بانتظار إيعاز الانطلاق، وقد اغتسلوا وأوصوا ونووا الجهاد في سبيل الله، وتوجهوا بقلوبهم وأنظارهم نحو الداخل ... فَتَرَ كل شئ فجأة، ولم تعد تشاهد القيادة العسكرية العليا، وقبل ان يعلو اللغط والاستفهام، طلب عدد من الشباب في القيادات العسكرية لقاءً مع المراقب لاعام بعد أن تسرب خبر وقف الحملات وإلغاء النفير وسقوط حماة منذ أكثر من شهر ونصف.
لم يعد أحد من قادة الإخوان الشيوخ الذين تعودوا أن يزوروا المعسكر بين فترة وأخرى لإلقاء الخطابات وتحديث الشباب عن الشهادة والجهاد! لم يعد أحد منهم يجرؤ على المجيئ، ولم يكن لهذه المهمة إلا رجل المرحلة أبو عمار (عدنان سعد الدين) .
حضر عدنان سعد الدين إلى المعسكر وطلب الاجتماع بقيادات الحملة من مستوى القائد العام (أبو عمر الطيار) وحتى مستوى قائد فصيل طلبهم لاجتماع عاجل وهام فكان عددهم نحو سبعين من شباب وكوادر الجماعة، وبدأ الحديث عن العمل السياسي والعسكري والعلاقة بين الجندي والقائد، إلى أن وصل إلى بيت القصيد، ودفعة واحدة ألقى قنابله الثلاث:
1 -سقوط حماة منذ فترة، وبالتالي عدم جدوى النزول في هذه الحالة المزرية من الاستعداد.
2 -حل الحملات بانتظار أوامر جديدة لاستراتيجية جديدة جاهزة تناسب الوضع الناجم عن سقوط حماة ...
3 -إخبار الشباب بأنهم سيسمعون من التلفزيون العراقي نبأ إبرام التحالف الوطني لتحرير سوريا بين الإخوان المسلمين - الجبهة الإسلامية - الأحزاب القومية والاشتراكية وعلى رأسها حزب البعث اليميني الموالي للعراق.
حالة من الهستريا الجماعية سيطرت على الشباب بعد هذا الخبر، وعلم الجميع الأخبار الحقيقية من أن حماة ساقطة ومنذ زمن، وأن القيادة لم تكن تجرؤ على إخبارهم، وأسقط في أيدي الجميع بعد الجهد الجبار الهائل الذي بذلوه في الإعداد، وطرحت مئات الأسئلة الحيرى، واختفى القادة الكبار ولم يعد يرى منهم في لامعسكر إلا الشيخ الطيب منير الغضبان ليحدث الناس في هذا الجو القاتل عن دروس في السيرة النبوية! وكان آخر لقاء لهذه الحشود بالقيادة عندما دُعي الجميع إلى صالة السينما في المعسكر ليلقي عليهم سعيد حوى وعدنان سعد الدين محاضرتهما لتفسير ما حدث .. ورغم أن منحى محاضرة سعيد حوى كانت نوعا من الاعتراف بالذنب وأنهم فوجئوا بما حصل وأنهم كانوا يعولون على الانقلاب الإسلامي - الذي كان المراقب العام حسن هويدي قد أقسم على عدم علاقتنا به -انظر صفحة (192) كانت محاضرة عدنان سعد الدين إرهابا فكريا وإسكاتا للشباب ومزاودة مسرحية عندما قال: زعم بعض الشباب أن 90% من القاعدة لا تثق بنا ولا تحبنا .. فإني مستعد للتخلي عن 90% بل عن 100 % من الشباب على أن أتخذ قرارا أضحي به بهم ... ولئن كانوا لا يريدون النزول لنزلت بشيبتي هذه ولوحدي .. الخ - وأمسك بلحيته- ملوحا بيده الأخرى. وتطوع بعض صغار العقول من الشباب الحمويين وغيرهم من الإمَّعات فنادى الله أكبر الله أكبر .. وساد القاعة جو من المشاعر المتضاربة .. كان ذلك بحدود منتصف شهر آذار ولم يعد يُرى للقيادة وجه في المعسكر ..