منذ أن بدأت النكسة والانهيار بعد مأساة حماة والتحالف الوطني ومن ثم دمار الطليعة وتشرذم المسلحين وعدم تمكنهم من إصلاح ما فسد. ومن ثم ما أسفر عنه ذلك من هجرة للإخوة ومغادرتهم وإعراضهم عن ساحة الرباط والجهاد، منذ ذلك الحين وحتى الآن، مئات ألوف الحوارات دارت بين الشباب والشيوخ وكل المعنيين بهذا الأمر .. حوارات ومناقشات متنوعة المناح تدرو كلها حول ما كان من أمور، لتجتر أحزانا وتستعيد ذكرى آلام، وتتهم طرفا وتبرئ آخر، وتلوم زيدا وتبرئ عمرا .. لتصل بالنهاية للإحباط ... ولهذا السؤال الذي يحير المخلصين منهم والذين يتحدثون ويتحاورون حرقة وأسى بحثا عن مخرج من هذه الطامة التي ألمت بالجهاد والمجاهدين وألحقت بالناس ما لا علم إلا لله به من ضرر. ما الحل وكيف المخرج؟؟؟ وما البديل؟ البديل! ما هو؟
ولئن كنا في صفحاتنا القادمة سنحاول تبيان بعض الأفكار على طريق إيجاد هذا البديل إلا أنه يجب أن نرسخ مفهوما لازما ثانيا بعد -مفهوم فرضية الاستمرار- يجب أن نتحدث عن طريقة طرح السؤال وما يجب أن يتحلى به السائل الباحث حتى يكون البحث إيجابيا ولا يكون ضربا من (التحشيش) الذي تعود عليه غالبا لاجترار المأساة واختتام السهرة بتوزيع أكياس الاتهام على المتهمين، والانسحاب براء من كل تبعة ومسؤولية بعد شاي ساخن في سهرة ظريفة ...
كيف يكون البحث في المشكلة عن حل ناجح إيجابيا؟
لابد أن نعترف ومن خلال تجربة مريرة عشناها بأنفسنا لابد أن نعترف بأن نسبة كبيرة من إخواننا حتى الآن اعتادت بحث هذا الأمر إن قاد السياق إليه عفوا في جلسة أنس بين الإخوة اعتادت بحثه كنوع من الهراء واللغو والحديث الشيق لذكريات مضت، حيث غالبا ما ينتهي الحديث بتلبيس تهمة الفشل والانحراف برأس القيادة السالفة الذكر، وبصب اللعنات على لحاهم وبالتأثر لما أصاب المسلمين من بلاء، وقد تدمع عيون بعض الحضور حزنا وعطفا، أو حرقة لذكرى شهيد من الشهداء أو أسير من المعتقلين ... ثم ترتفع الآهات والأنات والحسرات لتقول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ليس لها من دون الله كاشفة، ثم يدور الحديث دورته العادية ليصير إلى مشاكل الحياة ودنيا العمل والأزواج والهموم والأهل ... وما إليها، هذا في قطاع الشباب.
أما في قطاع بعض الشيوخ فالحال هي هي ... اللهم إلا أنهم في كثير من الأحيان يصبون اللوم على الشباب وطيشهم والطليعة وحماسهم، وما جروا إليه المسلمين الآمنين من الناعمين، بذلّ السلطان فبدلوا بطيشهم ذلك النعيم وبالًا ونكالًا وقتلًا وتشريدًا، فسامحهم الله أو قاتلهم الله ولاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم؟ ليسلها من دون الله كاشفة. وبين هؤلاء تتراوح أراء السامرين في حديث حول أهم قضايا المسلمين في هذا البلد المصابر. والعجيب في الأمر أن هؤلاء السامرين هم أنفسهم أصحاب المحنة وضحاياها وقد عانى كل واحد منهم وشارك وتحمل نصيبا من ضريبتها من فقد حبيبا قتلا أو أسرا أو تشريدا ودمار مستقبل وفرقة أهل ووطن إلى آخر هذه الضرائب التي دفعها الكل أو الغالبية. إن هذا لعجيب أن تسمر الضحية بحديث سفك دمها واستلاب مالها وانتهاك عرض لها وتنتقل عن هذا الحديث وكأن شيئا لا يعنيها، حقا إنه لمن الجدير بنا أن نبكي على أنفسنا وعلى هذا الذل والضعة والعجز ونعض البنان حتى نقطعها.
ترى هل سأل أحد هؤلاء السامرين نفسه لم يبحث هذا الموضوع؟ هذا إن بحث، فقد تحول الأمر إلى أشد، فقد أصبح الإخوة يتبرمون من إعادة الحديث بهذا الأمر ويتركون السهرة لا يعكر صفوها ترهات الماضي، بل مشكل الحاضر في شؤون الدنيا ...