ثالثًا - ممارسة بعض النشاطات العسكرية غير
المدروسة وغير المنسقة مع أهل الداخل
بعد أن اتخذت قيادة الإخوان المسلمين الدوليين في سوريا قرارًا بقطع المجاهدين ماديًا في الداخل، وإنشاء جهازها العسكري المستقل بما توفر لها من الحجم السياسي والقاعدة البشرية، والإمكانيات المادية المتوفرة بفعل الملايين من التبرعات الإسلامية التي تدفقت بفضل الله ثم أعمال المجاهدين، كان مهمًا جدًا لهذه القيادة أن تقوم ببعض الأعمال العسكرية الفعلية داخل البلد، لتثبت وجودها أمام مجاهدي الطليعة في الداخل كقوة فاعلة، وأمام قواعدها التي احتشدت في الخارج، وجلهم من المجاهدين الذين خرجوا من الداخل بنية العودة وهم يحملون صورة جد ناصعة عن القيادة، وكذلك أمام الحلفاء والأصدقاء السياسيين لاسيما في الجوار في الأردن والعراق، لذلك قامت قيادة الإخوان بإنزال بعض الشباب الذين كانوا قد خرجوا ثم تلقوا تدريبًا وتوجيهًا في عمان وبغداد. كانت مهمة هؤلاء الشباب مركزة على محاولة بناء جيوب عسكرية خاصة بقيادة الخارج والانتقال لتنفيذ بعض العمليات العسكرية، ورغم أن الإمكانيات المادية كانت وفيرة إلا أنه لم يكتب النجاح لأي منها على الإطلاق، واعتقل أو استشهد معظم الذين نزلوا ونجى بعضهم فعاد مرة أخرى للأردن.
أما أبرز تلك المحاولات لإثبات الوجود العسكري، فقد كانت تلك التي نظمتها القيادة الإخوانية ولا سيما بإشراف سعيد حوى وعبد الله طنطاوي، وكانت إحدى الكوارث الفاجعة التي قامت بها قيادة الإخوان وكان ذلك في (1980) وكانت كما يلي: استدعت القيادة الأخ الشهيد (عمر مرقة) وهو مجاهد قديم وخبير في حرب العصابات وصاحب تجربة سابقة، ووُضع بإمرته نحو مئة من خيرة الشباب المجاهد الذين كان جلهم قد شارك بشكل أو بآخر في الأحداث الجهادية قبل خروجه ثم نال قسطًا لابأس به من التدريب في العراق، وأخبرتهم القيادة بأنه وعبر صلاتها الخاصة قد أمّنت لهم عشرات القواعد في الداخل بما يلزم من المعدات والأسلحة، ورصدت لهم كمية مناسبة من الأموال للقيام بضرب أهداف هامة في دمشق، بعد أن وضعت الجميع بمن فيهم القائد العسكري تحت إمرة رجل من الإخوان يدعى (فاروق أبو طوق) وهو زوج ابنه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، ولم يكن ليميز هذا القائد الأعلى المعين من قبل القيادة سوى ولاءه التام لشخصيات الإخوان الكلاسيكية، هذا الولاء الذي كان مشكوكًا فيه لدى معظم النازلين بمن فيهم عمر مرقة.
نزل الجميع ومع نزولهم إلى دمشق أسقط في أيديهم وبدت لهم المأساة والمهزلة الدموية بكل أبعادها، فالقواعد التي قيل أنها بالعشرات وأن لكل قاعد مقاتلة قاعدتا احتياط في حال كشف الأولى، كان عددها ضحلًا يكاد لايكفي النازلين كمأوى؟؟؟!، أما السلاح فكان غير متوفر وغير مؤمَّن، وحسب رواية كل الناجين من هذه المأساة وهم قليل فقد كان في بعض القواعد خمسة أو ستة مجاهدين ولم يكن لديهم إلا مسدس واحد من عيار (7مم) أما الأهداف المقترحة فلم تكن مرصودة ولامحدودة، ولابرنامج لعملهم!! أما القائد الأعلى أبو طوق فقد كان رجلًا غريب الأطوار، خطط لعملياته بناء على أحلامه التي كان يراها في الليل ويعتبرها من الإلهام -وليس هذا من باب الدعابة فلقد كانت حقيقة عانى منها المجاهدون- وقتل معظمهم ونجى بضع عشرة مجاهدًا منهم فقط.
وهكذا اجتمع عمر مرقة بالمجاهدين والذين كان منهم بعض الإخوة المدمشقيين فقط، وأفهمهم أنهم تحت الصفر بكثير وأنهم سيبدأون عملًا دؤوبًا ليصلوا إلى الصفر، لتأمين بعض الصلات مع مهربي الأسلحة، أو عن طريق بعض الإخوة المتعاونين مع الطليعة في الداخل، ولدراسة المدينة التي كان جلّ النازلين أغرابًا عنها ... الخ.