تعتبر مخططات الاتصالات الآن عصب الجيوش الحديثة في كل مكان في العالم، ولا تخرج حروب العصابات الثورية عن هذه القاعدة، إذ تشكل الاتصالات عاملا حيويا وإن كان أقل بكثير من الجيوش النظامية نظرا لطبيعة حرب العصابات. كما تشكل هذه الاتصالات مقتلا خطيرا ونقطة ضعف للعصابات المقاتلة، كثيرا ما تستهدف من قبل العدو .. وفي تجربتنا السابقة في الداخل (سوريا) كانت الاتصالات تتم بين القيادات اللامركزية في المناطق المختلفة عن طريق مراسل يسلم الرسائل ويستلم ردودها باليد، كذلك كانت معظم الاتصالات بين القيادة الميدانية لكل موقع وقادة أجنحته وبين هؤلاء ورؤساء مجموعاتهم عن طريق مراسل أيضا أو عن طريق المواعيد الشخصية حيث يتم اللقاء شخصيا لبحث المهم من الأمر. ولم تستخدم الأجهزة اللاسلكية تقريبا إلا في مرحلة متأخرة وكان هذا عاملا من عوامل تخلف تلك العصابات المجاهدة.
وفي المرحلة التي تم فيها شيء من التنسيق بين الداخل والخارج اعتمد على المراسل الشخصي والرسالة المحمولة، وفي مرحلة متأخرة استخدم الإخوان البث من إذاعتهم عبر بعداد لبعض الأوامر المشفرة.
أما في الخارج بين قيادة الإخوان وقياداتها الموقعية في البلدان المتعددة، فغالبا ما كانت الاتصالات تتم عبر المهاتفة! حيث تشرح الأمور بكل صراحة ووضوح! وقليلا ما استخدم المراسل الشخصي لأغراض كهذه.
والمستفاد من هذه التجربة السالفة عدة نقاط:
-إن استخدام المراسل الشخصي الذي غالبا ما يحمل رسائل صريحة غير مشفرة سواء في اتصالات (داخل-داخل) أو (داخل-خارج) شكل دائما عامل خطورة، إذ كان دائما هدفا لكمائن النظام التي كانت تحصل في تلك الرسائل على صيد ثمين حيث تفيد منها قبل أن يتمكن المعنيون من تلافي الأمر.
-إن نظام المواعيد الشخصية داخل المدن أعطى النظام الأمني المعادي المفتاح الأول لعمليات الكمائن والاعتقالات، وكان أحد الأساليب التي استهلكت في حرب المدن التي مارستها الطليعة وأصبح شكلا خطرا ينبغي استبداله أو تضييق استعماله.
-إن عدم استخدام الأجهزة اللاسلكية كما ينبغي ولاسيما في المرحلة الحرجة عرقل العمل وطبعه بالتخلف لاسيما العمليات العسكرية التي كانت تتم دون أن يكون ثمة تحكم وصلة قوية بين القيادة وقيادة العملية وبين هذه والمقاتلين، وقد كانت معظم العمليات عمليات صغيرة (اغتيالات-كمائن صغيرة) ولم تحصل عمليات عصابات موسعة تفرض استخدام اللاسلكي الذي لم يكن متوفرا لا كجهاز ولا كفنيين يتقنون استخدامه.
وقد استطاعت فيما بعد قيادة حماة الميدانية إدخال هذا السلاح للمعركة والإفادة منه لاسيما أثناء معارك حماة، وأفاد التصنت على بث السلطة كثيرا من إحكام التصدي لمخططاتها.
إن الاتصالات عبر الهواتف خطيرة جدا، وغير مفضلة في الداخل إلا ضمن الأفراد غير المكشوفين وبشكل قصير ورمزي، أما في الخارج فكانت المهاتفات مصدر المعلومات الهام الذي زود الأنظمة المضيفة وأجهزة المخابرات حيث يقيم الإخوة بكل ما احتاجته من معلومات عن حركة الإخوان، وكان هذا إهمالا يبعث على التعجب! وضربا من الانتحار الأمني ..