أ - القيادة:
وهي رأس الهرم في الحركة الجهادية الثورية أو ما يمكن تسميته أركان حرب الثورة الجهادية (وسأتعرض في هذه الفقرة إلى سرد أفكار مستخلصة من تجربة خاصة ومن مطالعات ومقارنات في تجارب كثيرة إسلامية وغير إسلامية ومن الحوارات المطولة التي أجريتها عبر هذه التجربة مع شرائح شتى من المعنيين بمثل هذه الأمور، بدءا من الرجال الكبار أصحاب التجربة الطويلة والنظرة الثاقبة، وحتى صغار المجاهدين الذين عاشوا تجارب غنية تفوق في زخمها ما يمكن تصوره فيهم قياسا لعمرهم اليافع وتجربتهم القصيرة، وسأثبت ما اقتنعت به من جراء مطالعاتي وحواراتي الكثيرة المقارنة في هذا المجال، ومراقبتي لسير الأحداث في قضيتنا بشكل خاص وحركات عديدة بشكل عام، سأثبته لأن كل ما ذكرت ما زادني إلا قناعة فيما سأذهب إليه فيما يلي) :
عادة ما يرفع راية الجهاد والثورة نفر من الرجال المدنيين المؤمنين بفكر محدد والعازمين على الجهاد في سبيله إرضاء لله سبحانه وتعالى. ومن هؤلاء النفر تكون نواة القيادة الثورية أو ما أسميناه (أركان حرب الثورة الجهادية) ومن خلال المسار الثوري تتمايز مقادير هؤلاء الناس، ومن خلال المعركة والعمل المباشر على أرض الواقع، فيبرز زيد كمؤهل للقيادة يثبته عمله وإخلاصه، ويبرز عمرو كمؤهل لموضوع الإعلام مثلا أكثر من غيره، ويبرز ثالث ليثبت كفاءة في مجال آخر وهكذا.
وفي أجواء المعارك الحقيقية ودرب الجهاد الذي يكلف المتوسد لسدة القيادة حياته ورأسه .. قليلا ما يندفع صغار النفوس لمثل هذه المواقع، وغالبا ما يتميز العاملون بالصفاء والإخلاص وكلهم يستشعر قربه من أجله في كل لحظة، وليس كما يكون الأمر في العمل السياسي والدعوي الهين اللين الذي لا يكلف أصحابه شيئا ولو كان معارضة وحربًا للنظام من مواقع آمنة مطمئنة وراء الحدود، لا يكلفهم تضحية ولا جهدا، ولا يحتاج منهم إلا إلى بيان فصيح وسمت مليح وقدرة على التلاعب والدهاء وبعض الجهد الذي يقابله مجد وسلطان وجاه ومال وصولة وجولة ... ولهذا ترى أصحاب هذا المجد الهش يتهافتون على هذا الكرسي ويتصارعون عليه ويكيدون لبعضهم ويكذبون ويغدرون ويستبيحون ما لا يجيزه الشرع، فضلا عن أن تقول ما لا يجيزه خط جهادي لأني أعترض على تسميته جهادي ابتداء، ولا مجال للإسهاب، ونترك لكل مطلع أن يعتبر بتجربة الإخوان المسلمين السوريين وراء الحدود، وتجربة الحركات الدعوية الأخرى في الظروف السلمية، ليحكم بنفسه على ما نقول (أعود للفكرة الرئيسية) فعندما تتمايز مقادير هؤلاء الناس يتوسد كل موقعه من خلال إثبات كفاءته ويصادق له الآخرون دونما كبير عناء، ويسير الركب وتنضم (الطاقات) .. وهنا يدخل الخط (كوادر) جديدة ربما أثبتت كفاءتها أكثر من أخرى سبقتها إلى الدرب، فلا تجد هذه أيضا العناء في الوصول إلى مستوى المسؤولية، بل يدفع بها العمل إليه، ودرب كدرب الجهاد الحي يختطف كوادره أولًا بأول، وهكذا تسير الأمور منطقية دونما اختناقات خطيرة.