ومن خلال العمل تبرز الحاجة إلى أجهزة متفرعة، فأول ما يحتاجه المجاهدون هو الأجهزة الملحقة بالعسكرية -كالجهاز الفني- وجهاز التسليح- العلاقات مع الأنصار الشعبيين -جهاز الإعلام- العلاقات الخارجية ... وهكذا (سأعود للتفصيل في هذا في الفقرة(ب) الأجهزة الملحقة) فلا تكون صناعة الأجهزة سابقة للحاجة لها، ولكن العكس هو الصحيح، وفي حال تسيير الأمور بالمقلوب كما حصل في تجربة الإخوان المسلمين في سوريا، تنشئ أجهزة ويصرف عليها الملايين ثم يثبت أن لا حاجة لها، وتفشل ولا تكون قد أفادت إلا في إشباع رغبة الزعامة عند قيادي محترف، ترأسها وأشرف على فشلها، هذا هو خلاصة تصوري عن التشكيل القيادي والأجهزة. وقد عبر الشهيد سيد رحمه الله تعالى عن هذا بكلام مشابه ولقد وجدت في كلماته رحمه الله بلسمًا لأنه عبّر بإيجاز عما وجدته كحقيقة من خلال ممارستي للعمل الحركي ومشاهداتي.
فقال: (إن المجتمع الإسلامي ينشأ بتركيب عضوي آخر غير التركيب العضوي للمجتمع الجاهلي، ينشأ من أشخاص ومجموعات وفئات جاهدت في وجه الجاهلية لإنشائه، وتحددت أقدارها وتميزت مقاماتها في ثنايا تلك المعركة .. وهذه الحركة يجب أن تواجه الفتنة والأذى والابتلاء، فيفتن من يفتن ويرتد من يرتد ويصدق الله من يصدقه فيقضي نحبه ويستشهد، ويصبر من يصبر ويمضي في حركته حتى يحكم الله بينه وبين قومه بالحق ... ) ا. هـ (فقه الدعوة في ظلال القرآن)
فالمختصر المفيد ... تبرز القيادة من خلال العمل وتتابع فيه ولا يكون ثمة حاجة لأن تبرز من خلال الأساليب البرلمانية الديمقراطية -داء الحركات الإسلامية المعاصر- فتثبت وجودها أو تفرز المعركة من هو أجدر منها ولم أسمع خلال تجربة الجهاد السورية عن أحد نازع النقيب إبراهيم اليوسف مثلا أو غيره من القيادة الميدانية للجهاد زعامته في اختصاصه، في حين سئمت كما سئم غيري ممن شارك في الثورة الجهادية في سوريا الصراع على الزعامة التافهة الذي كان يجري وراء الحدود في السعودية والأردن والعراق وأوربا وغيرها من مواقع النعيم الوارف التي تدار منها واحدة من أهم معارك المسلمين المصيرية، وقد عبرت عن الفكرة كما عايشتها إن شاء الله.
أما عن بنية القيادة وطريقة اتخاذ القرار والشورى فالذي أفدته من تجربتي ودراستي وملاحظاتي هو أنه:
-في موضوع القيادة:
1 -يجب أن تكون القيادة محدودة العدد ذات كفاءة ميدانية، لا أرى أن يزيد عددها عن الأمير وثلاثة أو أربعة أعضاء قيادة مشاركين له في القيادة، ومدارسة الأمور بعموم اتجاهاتها وأن يمسك كل واحد منهم بجانب أو جهاز مهم من الأجهزة والأقسام الفاعلة في العمل، وأن يعطي فيه كل واحد منهم صلاحيات واسعة ضمن الخطوط العريضة التي يحددها الأمير بعد دراستها معهم ويتخذ فيها قرارا، وهذه الطريقة في الصلاحيات يجب أن تكون معطاة ليس فقط لأعضاء القيادة وإنما لكل من أوكلت له مسؤولية من صنف ما. يجب أن تكون له دائرة حركة وصلاحيات ضمن المخطط العام، فقد أثبتت تجاربنا وتجارب غيرنا أن أسوأ القادة هم أولئك الذين يتدخلون في صلاحيات مرؤوسيهم بعد أن أعطوهم إياها، حتى يصل تدخلهم إلى توافه الأمور كعدد (البطانيات) التي تعطى لقاعدة من القواعد، كما كان يحصل مع قيادة الإخوان وراء الحدود في عمان وبغداد .. كما أنه لا يقل عن هذا الحظ من القادة سواء أولئك الذين يكونون آخر من يعلم بما يدور في قطاعات مسؤولياتهم، فثمة فرق بين أن تتدخل وأن تطلع على شؤون غيرك.