كل الحركات الإسلامية المعاصرة التي تتصدى لإقامة الحكم في بلاد الوطن الإسلامي الكبير انقلابية الطابع جذرية التصور والحلول على صعيد الهدف المعلن. فهي تسعى إلى استبدال حكم البشر بحكم الله لهم، وبالتالي فهي تعني إنهاء وإسقاط تلك الهياكل المتمثلة في أولئك الطواغيت وإزالة آثار نهج حكمهم الذي فرضوا فيه قوانين الشرك والكفر بالله، بعد أن استبعدوا حكم الله لاعتقادهم بقصوره وعدم صلاحيته واستوردوا غيره مما صنعته لهم أوربا وغير أوربا من النهج والأحكام .. إسقاط كل هذا واستبداله بحكم الله بكل ما ينطوي عليه من عدل وإنصاف وسعادة للإنسان ولسائر مخلوقات الله حيث يقام هذا الشرع الحكيم.
وهي بهذا الطرح الانقلابي الجذري تمثل ثورة على الأوضاع القائمة بكل أشكالها ونتائجها، وهكذا كانت دعوة آخر الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم انقلابية جذرية أطاحت بالكفر بكل أشكاله وآثاره وصفاته، وأقامت الحق والعدل بكل كماله وخصائصه.
ولقد علمتنا تجارب الدعوة المعاصرة على مر السنين، أن هذه الأهداف الانقلابية الشاملة لا ترضي رؤوس الكفر من حكامنا ورؤسائهم ومحركيهم ومن فرضهم علينا، وهم يدركون خطرها وخطر حامليها من الدعاة، لذلك فإنهم يحددون حجم طغيانهم وبغيهم فينا حسب قربنا أو بعدنا عن هذا الهدف الشامل. ولقد أثبتت التجارب أنهم لم يتوانوا يوما وفي كل مكان، ورغم أن الدعاة لم يرفعوا سلاحا ولم يعلنوا حربا عن القتل والنكال والسجن والتشريد. إزاء كل بادرة أو حال أحسوا فيها أن الدعاة يقتربون من هدفهم بشكل عملي، فيقتلون من يقتلون ويشترون من يشترون ويسجنون من يسجنون ويعيدون الدعوة إلى ما وراء الخط الأحمر الخطر، لتبقى دعوة محجمة مقصوصة الجناح لا تتجاوز في بيانها حدود الأخلاق والعبادات وكل ما لا يمس الحكم والحكام من أمور الدين.
وهكذا تنكفئ الدعوة لتتابع سيرها من جديد، ولتتلقى الضربة حين يقرر الحاكم ويتقدم الخروف لتنحر سكين الجزار رقبته حينما يقرر، ولقد أثبت كل الحكام في بلاد المسلمين حيث داهمهم الخطر أنهم جاهزون للذبح والقتل والنكال والبغي، حمل الدعاة السلاح أم لم يحملوه، لا فرق في ذلك بين طاغية وآخر والشواهد أكثر من أن تعد، في كل مكان.
وهنا لابد أن نقول إن على الدعاة أن يقرروا أحد أمرين؛ إما أن يقبلوا واقع هؤلاء الطواغيت ككل وينصرفوا إلى العمل الدعوي الذي يرضى به الطواغيت مما لا يشكل عليهم خطرا ويحيون الإسلام في نفوسهم وأهليهم ضمن ما يسمح به الطاغوت. وإما أن يعملوا على إيجاد الحل الناجع لإزالة هذا الطاغوت بشكل جاد، وهذا نهج انقلابي ثوري بالطبع، فإن بنية هذه الهياكل الطاغوتية تفرض علينا إما قبولها كلها أو إسقاطها كلها ومازال دأبهم كدأب الكفار الأوائل ... (ودّوا لو تدهن فيدهنون) تعجبهم أنصاف الحلول تلك التي ليست من ديننا، إن النهج الذي تنهجه الحركات الإسلامية لا يعدو في النهاية كونه تغريرا بالطيبين من المسلمين ممن يهبون لنصرة العمل الإسلامي ويعملون له بكل إخلاص لتقديمهم عبر هذه الطرق العلنية المائعة لسكين الجزار. إنه نوع من القتل العمد دون مقابل وبنية حسنة وللأسف لا تغير من الواقع شيئا.
على الإسلاميين أن يفهموا أن شعاراتهم الانقلابية هي ثورة كاملة على هذا الواقع، وأن معركتها مع الطاغوت قائمة شعروا أم لم يشعروا، إذ أن واقعتها الدموية آتية إن لم يكن اليوم فغدا فليملكوا زمام المبادرة وليقرروها وليقرروا توقيتها وليعدوا لها، أفضل من أن يقرر ذلك عدوهم السفاح ولآ يحصدوا من ذلك التقاعس إلا الدماء والضحايا والدموع والحقد الدفين.