يقول الله تعالى: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} صدق الله العظيم.
فهذا التمايز والتمحيص الذي حصل، إحدى ثمرات التجربة وميراث الجهاد. فقد مرت فترة كان الكل فيها مجاهد وكل يزعم لنفيه ما يزعم، وتتالت التبعات وسقط من سقط على الطريق وشملت المحبة صفوفا أكبر من الناس فثبت قوم وارتد آخرون، وتأرجحت بين هذه القمة وذاك الدرك مواقف الناس وتتالت التبعات .. قتل .. أسر .. نكال .. فاقة .. خوف .. ضعف .. هوان .. هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا حقا.
لقد كان في الصف من قاتل إيمانا وعقيدة وفكرا عن سبق إيمان ووضوح هدف .. وكان هناك من قاتل طمعا لهدف شخصي وهدف دنيوي ... وكان من قاتل سمعة .. ورياء .. وشجاعة .. وعصبية .. ونكاية في السلطة، فريق آخر وجد الثمرة وقد آن أوانها .. فاصطف يريد حصته وصار سيد المجاهدين وزعيمهم .. آخر اضطر للحرب فحارب، فمنهم من صدق، ومنهم من سقط.
ففي خضم المعركة وزحمتها لم يكن لتتمايز الصفات وتتباين المعادن فكل يدعي وصلا بليلى، الكل مجاهد مهاجر، ولكن حاشا الله تعالى أن يذر المؤمنين على ما هم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب واشتدت المحنة وبدأت مرحلة الدفع وسقطت القشور وبانت الحقائق ... وما مثل الحرب محكا لمعادن الرجال، فليس الطريق طريق خطب وادعاءات كما هو حال الدعوة السلمية، الطريق هنا تضحية وبذل وعطاء ... وسرعان ما ظهر من كرر قول أسلافه: {لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا} آل عمران 154 وظهر من قال: {إئذن لي ولا تفتني} التوبة 49 كما ظهر من قال: {هذا ما وعد الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما} الأحزاب 22.
وعلى صعيد الشعب المسلم ذاته تمايز الناس ففي الوقت الذي انحاز فيه بعض المرتدين من أبناء المسلمين ليصطفوا أذلاء لأعداء الله، انحاز آخرون ليضمهم ركب الجهاد. وعلى صعيد الدعاة أنفسهم ثبت من ثبت وانسحب من انهزم يحمل الآخرين تبعة الدرب ويبرأ من كل دعوة لعمل عسكري معلنا البيان تلو البيان ليؤكد براءته من الجهاد. وظهر من انحرف في الدعوة يريد مهادنة أعداء الله في محالفتهم يريد منهم نصرا لحقه، والله سبحانه يقول: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار. الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعًا} النساء 139
وهكذا تمايزت الطروح والجماعات وأصبح ممكنا الآن أن يُدعى من آمن بالجهاد المسلح بالقوة دفاعا عن دين الله ليكونوا جماعة واحدة على بينة من أمرهم في تكاليف الطريق وصدق الله العظيم: {ليهلك من هلك عن بينة ويحي من حي عن بينة} الأنفال.