فهرس الكتاب

الصفحة 312 من 564

أعوام طوال مرت على هذا الشعب المسلم المصابر في هذا البلد الذبيح يتركه جزار ليتناوله آخر، ويبيعه متاجر ليتناوله متاجر، شعارات ترفع، عقائد تلاك في أطراف الألسن، نفاق مريع تتربى عليه الشريحة الغالبة من الطبقة الفاعلة في الدولة. واستلم النصيريون الكفرة السلطة وازدادت شدة الانحدار والظلم والكبت وازداد الذل والعنت. ووسط تلك الدياجير ترتفع راية الكوكبة المجاهدة لتقول: لا لتلك المهازل، رافضة الواقع المهين بكل أبعاده ترفضه رفض عمل وتضحية وبذل لا رفض شعارات ونظريات وأهداف فضفاضة تلوكها الألسن وتزدان بها الخطب وبيانات المناهج. ويتنفس الناس الصعداء، ويرون في هذه البارقة الأمل، ويبذلون أمامها الغالي والرخيص، وفي أقل من عام ونصف من الجهاد المعلن تنطلق مئات ألوف في أنحاء البلاد لتناد ملئ حناجرها مخاطبة المجاهدين أنها تفديهم بالروح بالدم، وتطالبهم بإعطائها السلاح لتشاركهم شرف الجهاد. لم تكن تلك الحركات مجرد عواطف جاشت فقط. فقد فتح الناس بيوتهم عمليًا للمجاهدين وأصبح الحديث عنهم على كل شفة وفي كل مجلس، وابتهلت القلوب إلى الله تستنزل النصر. لقد لمس الناس فيهم الصدق وروح القدوة التي افتقدوها منذ زمن لا قدوة الخطب والشعارات، وشاء الله للكل المحنة، وسارت الأمور على النحو الذي بينا، ولاقى الناس العنت والظلم والإهاب بجريرة عمل المجاهدين.

والحمد لله أن الكثير منهم بات يعرف الآن أنه بجريرة تجار الحروب الذين زاودوا على الجهاد والمجاهدين وعلى الناس أنفسهم وكان ما كان، ورغم كل الدياجير ما تزال ذكرى الجهاد ذاخرة في ضمير ذلك الشعب كحلم عز مرّ في ليل ذل وضعة. وما تزال للصادقين من المجاهدين مكانة في قلوب الناس، ولا يزال لدى البعض معقد الأمل والرجاء. لقد أنار المجاهدون بدمائهم درب الحق إلى إرضاء الله وعزة الحياة الدنيا، لقد كانت هزة حركت فيهم ما نام من النخوة والحمية عبر عشرات بل مئات السنين، ورغم تلك التراجعات والنكسات في نسبة الأنصار والمؤيدين للجهاد والمجاهدين في صفوف الشعب بسبب ما كان، فإن تلك المحنة قد تركت في صفوف الشعب أنصارا للإسلام والجهاد كشريحة تشكل قاعدة مهمة لأي انطلاقة جهادية ظافرة في المستقبل بإذن الله.

إن أعداء الله في سوريا يعرفون هذا جيدا، وترتعد فرائصهم خوفا منه، لقد نالت المحنة مختلف صفوف المسلمين وأورثتهم حقدا مقدسا على هؤلاء المستعمرين النصيرين. أحياء بكاملها هدمت ودكت بيوتها فوق الأحياء دكا، مجازر جماعية كثيرة جرت على مرآى من الناس ومسمع. بيوت كثيرة نكبت بشهيد أو سجين أو شريد، لقد أصبح للقضية في نفوس الكثيرين وزن وطعم، لقد شاركوا فيها ودفعوا جزءا من ضريبتها، لقد أصبحت قضيتهم لا يحجبهم عنها إلا الإعراض من أصحابها عن دور القدوة الطبيعي الذي يجب أن يصيروا إليه ليكونوا طليعة لأولئك المسلمين المصابرين المتحفزين.

إن أولئك الأطفال الذين شهدوا ذلك العنف وهم صغار يافعون صاروا رجالا في مقتبل العمر الآن بعد أن مرت أكثر من سبع سنوات على تلك المآسي، ولازالت تلك الذكريات الدامية راسخة في رؤوسهم ... ويوم يعود للراية أصحابها ويوم يكونون على مستوى القدوة ومضرب المثل كما فعل أسلافهم فإنهم سيرون قيمة هذا الرصيد الشعبي الهائل في صفوف الشعب المسلم وسيعلمون أن دماء إخوانهم لم تذهب هدرا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت