كانت مشكلة القيادة في الحركة الجهادية الثورية المسلحة التي نشبت في سوريا إحدى أكبر مشاكل ذلك الخط، ولعلها كانت في وقت من الأوقات وراء الفشل الذريع الذي أصاب العمل الجهادي، ولعل أفضل القيادات التي مرت في تاريخ تلك الحركة تلك التي لم تعمر طويلا واصطفاها القدر في خضم الأحداث ونعني قيادة الجهاد الأوائل.
فإذا نظرنا في تجربة الطليعة نجد أنها أنجبت عددا من الكوادر القيادية الميدانية الشابة التي استطاعت رغم قصر فترة مشاركتها في الأحداث أن تضرب مثلا رائعا في الإخلاص والفدائية والتفاني وقيادة الطلائع انطلاقا من ضرب المثل أمامهم في معايشتهم اليومية في ميادين المعارك، ولقد كان لهذا وقع السحر على نفسية المجاهدين الشباب وإقدامهم لما يرون من المثل الحي، ولقد عبر النقيب الشهيد إبراهيم اليوسف رحمه الله عن هذا بقول موجز يمثل لسان حال المقاتل الشاب في المعركة:"إن كنت إمامي فكن أمامي".
ولكن للأسف لم تسمح طبيعة سير الأحداث بالشكل الذي مرت به بتبلور قيادة متينة مجربة تتحلى بالحكمة والسياسية والكياسة، إلى جانب ما تحلت به من الإقدام والتضحية، فقد اختارها القدر ولم يقدر للحركة أن تنعم بأولئك القواد الذين كان بالإمكان أن تصقل التجربة مواهبهم وأن يتخرجوا من الميدان أبطالا فدائيين يجمعون الفدائية والثبات إلى التجربة والخبرة ... وقدر الله وما شاء فعل.
فإذا نظرنا إلى تجربة العمل الجهادي بعيد هجرته وراء الحدود نجد نموذجين من القيادات التي ظهرت في تلك المرحلة: ففي الطليعة كان عدنان عقلة (فرج الله عنه) مثالا للقائد المقدام المضحي المتفاني، والثوري الأصولي الثابت على مبادئه ودربه كالجبل. وقد تمتع الرجل بمزايا شهد له بها العدو قبل الصديق وكان صاحب تاريخ جهادي عريق، وأسبقية في الدعوة إلى جانب خصال شخصية حميدة كتلك التي تجدر بقائد مثله، إلا أنه وللأسف لم يجمع إلى ذلك حكمة القائد وتعقل الحكيم. ولكم كان بحاجة لمثل هذه الحكمة والسياسة. ولقد أنصفه يوما أحد المنصفين من قيادة الإخوان المسلمين وهم قلائل في مثل موضوع كهذا قائلا: إني لا أشك بإخلاص عدنان عقلة كقائد ولا أشك بشجاعته في ذلك الإخلاص ولا أشك بافتقاره إلى الحكمة ليفيد من هذا الإخلاص وتلك الشجاعة.