أغلب التنظيمات السرية هرمية البناء وهذا هو الشكل الشائع حيث ترتبط القيادة بقواد أجنحة ومسئولي أجهزة، يرتبطون بمرؤوسيهم أيضا بنفس الطريقة عبر هذا الشكل الهرمي وهو بناء قوي سهل الإدارة يتميز بإمكانية الاتصالات من الأعلى إلى الأسفل والعكس بسرعة وفعالية، إلا أنه بناء خطير، سرعان ما تتحول فيه أصغر المشاكل -إن لم يتم تلافيها- إلى كوارث حقيقية بفعل عمليات التعذيب والبطش الوحشي التي يتعرض لها المعتقلون والتي تجبرهم على الإدلاء بكل ما لديهم، معرضين السلسلة الهرمية نحو الأعلى والأسفل لأخطار جمة ... ولقد كانت التنظيمات العسكرية التي عملت في الداخل (في التجربة السورية السالفة) كلها هرمية إلى حد كبير، ولقد تعرضت للخسائر في كثير من الأحيان بل لدمار أجنحة بكاملها بفعل هذا البناء الاضطراري.
ثمة طريقة أخرى لبناء التنظيم وهي طريقة الربط الخيطي حيث يرتبط كل عنصر قيادي بحلقات صغيرة وخيطية خاصة ومتعددة تفرض عليه جهدا وعناء كبيرا لتعلق مسئولياتها في عنقه كلها، وحيث لا ترتبط هذه الخلايا (التي قد تكون من عنصر واحد غالبا أو اثنين) مع بعضها وبالتالي لا يشكل اعتقال أحدها خطرا على مجموع السلسلة في حين يشكل اعتقال المسئول كارثة على كافة الحلقات. ولكن لكونه فردا واحدا فإن احتمال تعرضه للخطر يبقى قليلا لا سيما إن اتخذت الحيطة الكافية حوله ... ولكن هذا الأسلوب على أمنيته العالية ضعيف، إذ كثيرا ما يؤدي مقتل أو اعتقال رأس الخيط إلى انفراط عقد حلقاته الخاصة وصعوبة وصل هذا التنظيم مرة أخرى. ولا يمكن تلافي هذا المر إلا بوجود نائب بديل مطلع، مهمته ربط الحلقات حال غياب المسؤول أو استخدام طريقة الظرف المختوم الحاوي على الأسرار التنظيمية. حيث يقوم المسؤول البديل بالاطلاع عليه لوصل الحلقات التي تكون مجهزة بكلمة سر لتلقي أوامر المسؤول الجديد. ولا يفتح الظرف الذي يجب أن يكون مشفرا إلا من قبل رجل معين مهمته الربط، وقد يكون هو المسؤول التالي وقد لا يكون، ولا يفتح الظرف أيضا إلا في حال فقدان المسؤول المباشر.
هذه إحدى الطرق الشائعة في تفادي مشاكل التنظيم الخيطي أو العنقودي.
وقد يكون التنظيم مختلطا: أي هرميًا في جناح وخيطيًا في آخر، حسب دور الجناح وظرفه المتشابك الأسباب، وهذا التركيب يوفر مجالا طيبا للمناورة بيد القائد. وبين هذا الشكل الهرمي والآخر الخيطي ومزج النسب المختلفة لكل منها تتراوح معظم التشكيلات التي تتخذ العمل العسكري السري أسلوبا لها ... وقد توصلت بعض العصابات في أوربا ولاسيما (الألوية الحمراء) في إيطاليا، وعصابات (باير ماين هوف) في ألمانيا (ومنظمة إيتا) الانفصالية في إسبانيا ... إلى أساليب تنظيمية غاية في الدقة والمتانة عبر التجربة مكنتها من الصمود حتى في وجه أجهزة أمن قوية للغاية. وهكذا تُعلِمُنا التجارب أن الأمن ومتانة التنظيم والدقة والحذر مع سهولة الإدارة هي عوامل متناقضة تحتاج لكثير من الجهد الفكري والتنظيمي.
والتجربة مريرة يدفع ثمنها من دماء أصحابها حتى يتعلموا. وعلى من يتصدى للتخطيط أو إدارة مثل هذه التنظيمات أن يبني نظامه وبناء خلاياه بناء على معطياته الاستراتيجية من طبيعة البلد والقوة الذاتية والمعادية وطبيعة أجهزة الأمن وطريقتها .. الخ.
ويتخذ له الأسلوب المناسب، هذه المشكلة (المعضلة) تطرح نفسها بإلحاح على عصابات المدن في حين لا تشكل مشكلة كبيرة للعصابات التي تدير قتالها بشكل شبه علني في الأرياف في ظروف طبيعية مساعدة كتوفر الغابات والجبال والمسالك الوعرة والامتداد الواسع.