من أهم ما أفدنا من تجربتنا السالفة، أنه على عصابات المجاهدين وجهازهم العسكري أن لا يتركوا للنظام وأجهزة قمعه وقتا مريحا للتفكير، وأن يتابعوا عبر مجموعة من التكتيكات العسكرية المدروسة والأعمال المتلاحقة (لعبة البرغوث والكلب) [1] .
حتى إيصال أجهزة الأمن والجيش وغيرها من أجهزة القمع إلى حالة الإعياء التي يستحيل معها تقدير أمورها بحكمة وتنفيذها بيسر وتحكم. ولا يمكن تحقيق هذا إلا عبر الإمساك بالمبادرة والاحتفاظ بها ما أمكن طيلة فترة الحرب وهذه مهمة ليست بالسهلة. ولا يمكن تحقيقها دون العمل وفق مخطط استراتيجي شامل تتضافر فيه الجهود العسكرية والإعلامية والسياسية للتنظيم السري الجهادي الثوري. وبطبيعة الحال فإن العدو وأجهزته تدرك هذا وهي تحاول باستمرار تملك زمام المبادرة لإجبار المجاهدين ومقاتليهم على الاندفاع في سلسلة من ردود الأفعال تختارها الدولة.
وتبني بناء عليها (تكتيكات) حصار وتفتيت متتابعة، توجه بموجبها للعصابات ضربات ساحقة، وهكذا تستمر اللعبة.
فضلا عن المبادرة فإن على العصابات المجاهدة أن تحتفظ بقدرة دائمة على الردع الصاعق في حال فقدان المبادرة في عمليات نوعية ومفاجئة تُدخل النظام وأجهزته في دوامة مؤقتة ريثما تستطيع العصابات معاودة استرداد أنفاسها وامتلاك المبادرة من جديد، وتفيدنا التجربة السالفة أن الطليعة ملكت المبادرة بفعل سريتها وصغر تنظيمها حتى أواخر عام 1980 ثم ما لبثت هذه المبادرة أن تحولت للدولة التي استطاعت استجرار الطليعة لمجموعة ردود أفعال عسكرية صفيت بموجبها معظم جيوبهم حتى أواخر 1981.
أما تجربة حماة فقاسية، فبعد أن تمكن المجاهدون من حشد قوى هائلة لهم في المدينة وبناء رؤوس جسور تنظيمية عسكرية في مناطق أخرى، تمكنت الدولة بفعل امتلاكها للمبادرة بعد حصار المدينة من جر المجاهدين مرغمين للصدام العلني الذي خططت له، ودمرتهم وقد مرّ بيان ذلك.
وهكذا وفي حرب العصابات وغيرها من الحروب تبقى المبادرة هي الهدف من الصراع (التكتيكي) ويبقى على قيادة المجاهدين أخذ هذا في الحسبان والتخطيط له منذ البداية والعمل على استردادها دائما عندما تفقد.
(1) تحدث بعض محللي حرب العصابات عن هذه الظاهرة وأطلقوا عليها هذه التسمية، وتعني أن صراع العصابات التي تنتشر في طول البلاد وعرضها بقوى ضعيفة قياسيا لقوة الدولة، تشبه جيش البراغيث الذي ينتشر في أنحاء جسم الكلب المصاب بهذه الحشرة ليوجه له الوخزات واللسعات باستمرار وفي كل المناطق وعلى الرغم ن أن جيش البراغيث هذا لا يملك قوت الكلب إلا أنه بوخزاته المستمرة يضعه في جو من الإنهاك والإعياء يهيؤه معه للسقوط في النهاية (مقتبس من كتاب حرب المستضعفين لكاتبه الأمريكي)