فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 564

أما داخل البلد فقد انتشرت حواجز الجيش والأمن على الطرقات بين المدن وفي مفارق الشوارع الرئيسية وعمت الأجواء الإرهابية، وأصبح معهودًا رؤية الدبابات وعربات الجيش المصفحة، وجنود الوحدات بلباسهم المبرقع ووجوههم اللئيمة، توقف أيًا كان للتحري والتفتيش والإهانة والسلب، كما صار معهودًا أن يحاصر الجيش حيًا من الأحياء لتفتيشه وليداهم البيوت ليلًا أو نهارًا دون مراعاة لحرمة أو احترام لعرف أو دين، وكثيرًا ما دخل فَجَرة الجيش المساجد فنكلوا بالمصلين ومزقوا المصاحف وداسوها وخرجوا يعربدون ويطلقون النار في الهواء ناشرين الذعر والإرهاب في أوساط المدنيين العزل.

مع أواخر رمضان 1980 بدأت كفة الإرهاب ترجح، وبدأت مسيرة الجهاد العسكري تتراجع بوتيرة حادة .. فصفيت الكثير من جيوب الجهاد في مناطق الساحل وجسر الشغور وإدلب والمناطق الأخرى، وتكبد المجاهدون خسائر فادحة لاسيما في حلب حيث أصبحت وتيرة انكشاف القواعد مرعبة ومؤسفة، وكثر استشهاد المجاهدين على حواجز الجيش في مفارق الطرق والساحات العامة بعد أن استخدم الجيش طريقة الحواجز الطيارة التي تهبط فجأة في مكان ما وتبدأ تفتيش السيارات والأفراد، وكثيرًا ما اضطر المجاهدون المسلمون للاشتباك والاستشهاد أو الاعتقال بفعل هذه الطريقة، وزادت أعداد المخبرين وأذناب السلطة نتيجة هذا التراجع بعد أن خنسوا مذعورين فترة من الزمن.

بدأت مرحلة التراجع وزاد عدد المعتقلين من المنظمين الجدد الذين تدفقوا بالمئات على التنظيم أيام التقدم وكذلك في صفوف المدنيين الذين أبدَوا تعاونًا مع المجاهدين كإيوائهم وتزويدهم بالمؤن أو التبرعات أو تناقل منشوراتهم، وأصبحت أصغر التهم تؤدي بصاحبها إلى أقبية السجون حيث لا تعرف النهاية، ولاسيما في ظل القانون /49/ الذي حكم بالإعدام على كل من ينتمي للإخوان المسلمين، وهو الاسم الذي أطلقته السلطة من باب التعميم على المجاهدين وأعوانهم، وغدت تهمة الانتماء إلى الإخوان المسلمين يمكن أن تبنى على شبهة بسيطة أو عادية، حيث أودت هذه الطريقة بالألوف من الأبرياء الذين زج بهم في السجن ظلمًا وعدوانًا دون أن يكون لهم صلة بالجهاد في كثير من الأحيان.

كانت ذروة أعمال القمع التي مارسها الجيش النصيري ولاسيما بعد أن فشلت فصائل الحزب المدنية المسلحة التي شكلها للتصدي للمجاهدين، كما فشلت بعدها أجهزة الأمن السياسي والعسكري، كان ذروة ذلك هو الزج بعدد من الفرق والألوية العسكرية في المعركة وبإدارة الضباط النصيريين الكبار أمثال (علي حيدر) قائد الوحدات الخاصة و (رفعت الأسد) قائد سرايا الدفاع و (شفيق فياض) قائد الفرقة الثالثة و (هاشم المعلا) وغيرهم. فحاصر الجيش المدن وأغلقها وقام عدة مرات بعمليات تمشيط شاملة بحثًا عن الملاحقين والمسلحين ولم تأتِ محاولاته هذه بأكثر من إرهاب الأبرياء، حيث تجنب المجاهدون صدام الجيش أثناء علميات التمشيط وعمدوا للاختباء في قواعدهم المموهة التي كانت مبثوثة في الأحياء بين المدنيين بشكل جيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت