فهرس الكتاب

الصفحة 366 من 564

إن هذه الأوضاع السياسية المتفسخة وما رافقها من غياب الإسلام عن الساحة بمفهومه الشامل العميق، أورثت الأمة الإسلامية أحوالًا اجتماعية لا تقل عن تلك السياسية فسادًا(ولقد فسدت أخلاقنا، وضعف إيماننا بأنفسنا وانحدرنا إلى الحضيض، ورأينا كبراءنا وهم المثال الذي يحتذي به الشعب يتلونون كل يوم بلون، ويلبسون لكل حال لبوسها، فهم يومًا يؤيدون حكم الأقلية، وفي اليوم التالي ينادون بالحكومة الدستورية وهم بعد ذلك منابذون لهؤلاء وهؤلاء، يجرون وراء فرد ليس له جماعة تؤيده ولا حزب يسنده وهم يفعلون كل ذلك تمشيًا مع عقيدة يعتقدونها ولا خضوعًا لمبادئ يطبقونها، وإنما جريًا وراء الأهواء والشهوات وتحقيقًا للمنافع أو تخوفًا من الحرمان، ذلك أنهم يربطون أنفسهم بكل ذي سلطان طالما كان له سلطان، فإذا ما أحسوا بهذا السلطان في طريق الزوال انقلبوا على صاحبه ينهشون عرضه ويسخرون منه، ولطالما والله عبدوه من دون الله وضحوا في سبيل إرضائه بكرامة الرجل وحياء الإنسان. ومن أجل هذا الذي درج عليه كبراؤنا فإن الحكومات على اختلاف أغراضها وألوانها، وعلى اختلاف الجهات التي تسندها تجد مؤيدين من كل الطبقات وتستطيع أن تعيش مسنودة بأغلبية برلمانية، طالما كان بقاءها في الحكم مسنودًا مكفولًا أو على الأقل مأمولًا، ولقد تمثل الشعب بسادته وكبرائه في نفاقهم وسوء أخلاقهم، فهم الفساد وفشا الرياء، وضاعت الأخلاق والكرامات، ولم يبق في الشعب من له ذمة أو ضمير إلا القليل، ومن المؤلم أن نجد كثيرًا من شباب الأمة وجيلها الحديث ينظرون إلى هؤلاء الذين يتمسكون بالفضائل على اعتبار أنهم قوم يحلمون ويعيشون في العصور البائدة ويعتقدون أن المدنية والتقدم، هي في التحلل من كل شيء من الخلق والكرامة، ومن الذمة والضمير، بل التحلل من الشفقة والرحمة ومن الآدمية والإنسانية. إن الكثير من الشباب اليوم فارغو النفوس والقلوب والرؤوس، فلا علم ولا عمل ولا دين ولا إيمان وهم لا يجدون إلا تزجيج الحواجب، وتصفيف الشعر، واختيار الملابس والتشبه بالممثلين والممثلات، ولا عمل لهؤلاء الشباب إلا ارتياد المحلات العامة والاندفاع وراء الشهوات، وقد وقع الكثير منهم فريسة سهلة للشيوعيين لأنه ليس في تربيته المدرسية ولا في حياتهم المنزلية ما يحول بينهم وبين الآراء الهدّامة، أو ما يحصنهم ضد الفساد.

والناس اليوم يستحلون كل شيء مادام يؤدي للغاية، فالسرقة والرشوة، والاختلاس وبيع الأعرا ض والكرامات والمساومة على المصالح، والتستر على الخيانة والفساد وإسكات صوت الحق، كل ذلك جائز مادام يؤدي للمال أو الجاه أو كراسي الحكم ولك فرد يحسد غيره ويتمنى أن يحل محله، والفلاح الصغير يحسد المزارع الكبير، والعامل يحسد صاحب العمل، والفقير يحسد الغني، ويتمنى كل أن يكون له ما للمحسود من مال ونعمة، بل ولايرى بأسًا من أن يحصل على ما يتمناه دون حق ودون جهد وعن طريق غير مشروع) [1]

أليس حالنا الآن هو حالنا السالف، لقد كتب الشهيد عودة تلك السطور قبل أكثر من عشرين عامًا يصف المجتمع ومازلنا من انهيار لآخر، وحالنا اليوم أشد تحللًا وحتى تلك الحرية التي كانت موجود أيامه لم تعد اليوم موجودة.

ثالثًا: أوضاعنا القانونية:

(1) الإسلام وأوضاعنا القانونية- عبد القادر عودة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت