وأما قوانيننا التي نحتكم إليها والتي فرضت علينا وما أنزل الله بها من سلطان لنترك للشهيد عودة وهو رجل القانون يحدثنا عنها:(والأصل الأول للقانون هو أن قانون كل أمة إنما ينبثق منها ويرجع إليها، إنه قطعة من ماضيها الطويل وحاضرها الماثل، إنه يمثل نشأتها وتطورها، ويمثل أخلاقها وتقاليدها، ويمثل آدابها ونظمها ويمثل دينها ومعتقدها. ... . ولكن هذا الأصل الأول للقانون أهمل إلى حد كبير في القوانين الوضعية السارية في مصر وفي كثير من البلاد الإسلامية، فقد نقلت القوانين الأوروبية بحذافيرها ودون تعديل يذكر إلى هذه البلاد، وجعلت قوانين ملزمة في بلاد يسودها الإسلام، يحكمها منذ ثلاث عشر قرنًا ويزيد، وهي بلاد تدين الغالبية الساحقة من سكانها ويحكمها الإسلام، ويتعبدون بإقامة شعائره وأحكامه وعصيان ما خالفه من الأوامر والأحكام، وكان المعقول أن يفقه هذه المعاني ناقلو القوانين الأوروبية إلى البلاد الإسلامية ولكنه كانوا أناسًا لا فقه لهم ولا خير فيهم، فجاءت قوانينهم غريبة على البلاد الإسلامية، لا تتصل بماضيها ولا بحاضرها ولا تمثل نشأتها ولا تطورها، ولا صلة لها بعادات أهل البلاد وتقاليدهم، ولا ينعكس عليها شيء من آدابهم وأخلاقهم ولا مكان فيها لأديانهم وعقائدهم.
إن قوانيننا معشر المسلمين غريبة عنا، نقلت إلى تربة غير تربتها، وجو غير جوها وأناس لا صلة لهم بها يرتابن فيها، ويتجهمون لها، بل ينكرونها ويتقربون إلى الله بهدمها، إنها قوانين تبعث على الكفر وأوضاع تحرض على الإلحاد وأنظمة تؤدي إلى الإباحية والتحلل، إنها لا نتنسب للإسلام بنسب، ولا تمت للبلاد الإسلامية بسبب، إنها قوانين لا تقوم على أصولها ولا يرجع نسبها إلينا، إنها كأبناء السفاح يولدون لغير أب وعلى غير فراش وكانت الحجة المتكررة في إدخال هذه القوانين، أنهم يريدون الأخذ بأسباب المدنية الأوروبية والتقدم، كأنما التقدم الأوروبي والمدنية الأوروبية راجعة إلى هذه القوانين البشرية وأن تخلف المسلمين وضعفهم راجع إلى شريعتهم السماوية، وقد وجدت هذه الحجة الفارغة عقولًا فارغة في البلاد الإسلامية تصدقها وتؤمن بها ... وكان من السهل على هؤلاء المستغفلين الغافلي لو فكروا أن يعلموا أن حجتهم داحضة، وأن هذه القوانين التي فتنوا بها، ليست في أصولها إلا قوانين الدولة الرومانية، وأن هذه القوانين لم تمنع العرب والمسلمين من هدم الدولة الرومانية وأن هذه القوانين لم تعصم أوروبا كلها من الهزيمة المنكرة في الحروب الصليبية وكان من السهل على هؤلاء المستغفلين الغافلين لو فكروا، أن يعلموا أن الشريعة الإسلامية كانت شريعة المسلمين الأوائل، وأنها كانت تحكمهم وهم قلة مستضعفة يخافون أن يتخطفهم الناس، وأنهم في ظل هذه الشريعة وبعد عشرين سنة من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، استطاعوا أن يزيلوا الدولة الفارسية من الوجود، وأن يحسروا الدولة الرومانية عن مصر والشام وشمال أفريقيا وأن يصبحوا سادة العالم وقادة البشر أكثر من ألف سنة)اهـ"الإسلام وأوضاعنا القانونية".