وهاهي قوانينا كما كانت، بل زادت بعدًا عن الإسلام عن أيام كاتب السطور السالفة وأصبحت مقولة فصل الدين عن الدولة وشعارات لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين، ترفع دون حياء، ودون وجل من الرؤساء والملوك وجهلة العوام على حد سواء، تلك الفكرة الوافدة التي إن كان لها ما يبررها في مكان مولدها (أوروبا) نظرًا لقصور الديانة المسيحية لما اعتراها من مسخ وتحريف عن استيعاب تطور الحياة وعجلة الحضارة، وبما مارسه كهنة الكنيسة من طغيان، فإنها فكرة أبعد ما تكون عن بلاد المسلمين وديانتهم الغرّاء، التي ارتضاها الله تعالى وأكملها وتكفل بحفظها لآخر الزمن.
وفُصِل الدين عن الدولة، وانزوى الدين في نطاق الشعائر والتراتيل عند قوم، واستعلى عند آخرين، فذاقوا البأس والنكاية من الطواغيت، وسكتت الجماهير وكأن لا علاقة لها بالأمر وانقسم العلماء بين شيطان أخرس وآخر مؤمن خائف لا يجرؤ على الكلام ولا حول ولا قوة إلا بالله، ناهيك عمن سار في ركب السلطانم يهرج له ويبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، وقام الطواغيت فوق رقاب المسلمين في شتى بلادهم، يلتف حولهم جماهير المسبحين بحمد السلطان من ملك أو أمير أو رئيس .. وخنقت في هذه الزحمة أصوات الحق.
رابعًا: وأما عن مصائب المسلمين:
بهذا البعد عن الله فقد توالت المصائب على بلاد الإسلام .. فمنذ أن سقطت الخلافة التي آلت في آخر أيامها إلى هيكل شكلي فحسب ومع ذلك لم تنج من مكر الماكرين، وتوالت النكبات، واحتلت معظم تلك البلدان ولكن بعد أن حقق ذلك الاستعمار جلّ أهدافه. فقد ترك لنا طبقة من العلماء والتابعين والكفرة والمارقين، يلوكون أفكار الغرب ونظرياته ويمجدون إنجازاته ويباركون تبعيته وظهرت الأفكار الشوهاء، وعلى رأسها فكرة القوميات المقيتة وتشدق المتشدقون بالقومية العربية وأصبحت شعار الكل في بلاد العرب على اختلاف مشاربهم السياسية .. ولم ينج من هذا الوباء بقية المسلمين، فانحاز التركي لقوميته وطالب الكردي بكيانه وشعر البربري بقومه .. وهكذا تمزقت الأمة .. ورزحت بلاد تحت الاحتلال الروسي وأخرى تحت الصيني، ووقعت فلسطين تحت الاحتلال اليهودي وتكرس الاحتلال، وسقطت القدس نصفًا إثر آخر، ولم يحرك لهذا أحد ساكنًا، وسقطت قطع أخرى من البلاد تحت الاحتلال ولم يكن نصيبها من النجدة أكثر من أختها .. وها هي لبنان تسقط بيد الصليبيين والروافض المتعصبين على مرأى من المسلمين ومسمع .. واحتل النصيريون القرامطة سوريا الشام وغلب الروافض المتعصبون على حكم إيران وباسم الإسلام هذه المرة، وكانت المصيبة أعظم وهاهم يخططون لاجتياح بلاد المسلمين، وسقطت أفغانستان بيد الشيوعيين، واستُهدِف المسلمون في كل مكان، وها هم يذبحون في الهند والفلبين وأرتيريا ويتعرضون لحملات التنصير في أفريقيا وأندونيسيا .. وينكل بالدعة الصادقين في كل مكان، ويساقون إلى السجون وساحات الإعدام، في جو من التكتم الرهيب في باقي بلاد المسلمين الأخرى وحتى تلك التي تعتبر نفسها مستقلة محررة، مازالت تعاني من أشكال الاستعمار الفكري والثقافي والاقتصادي .. بإدارة حكام هم أقرب للمحتلين من كونهم أبناء البلد في سلوكهم وتصرفاتههم، بل هم المحتلون بالنيابة [1] ...
(1) وكان من آخر النكبات احتلال الصليبين لجزيرة العرب وعقر دار الإسلام بفضل تآمر حكامها الكفرة وسكون شياطينها الخرس من علماء السلطان بل وتأييدهم لهذا الاحتلال بالفتاوى.