فهرس الكتاب

الصفحة 250 من 564

أفكار ونظريات عملية مستفادة من دروس التجربة

تعمد كل جماعة أو حزب أو تجمع سياسي ولاسيما كتلك التي تطرح برامجها في التغيير والإصلاح على المستوى السياسي، إلى بلورة أفكارها وآراء منظريها في مجموعة من الشعارات والبرامج والنظريات السياسية التي تضمنها خلاصة فكرها ووجهة نظرها حول تحقيق هدف مرجو معين ومحدد. ولئن كان من السهل إلى حد ما صياغة العبارات وتذويق البيان وعرض تلك الأفكار بصورة تبدو للسامع العادي معقولة ومنطقية، فإنه ليس من السهل على كل عاقل قبول هذه الطروحات والبرامج من الجهات المختلفة والتي تبدو في كثير من الأحيان متضاربة الأهداف مختلفة المشارب ليس من السهل عليه تقبلها على أنها طروح عملية مؤكدة النتيجة ... وتزداد هذه الصعوبة في القبول إذا كانت التجربة الزمنية لهذا الطرح طويلة إلى حد ما بشكل يدفع المحلل الحصيف إلى دائرة الشك في جدوى مثل هذه الأفكار أو جدوى تطبيقها وإمكانية ومدى قربها من النتيجة على الأقل ... هذا الشك قد ينقل صاحبه إن هو أمعن الفكر في نوع من هذه الطروحات إلى الاستنتاج بأنها لا تعدو كونها برامج وأفكار وأهداف فارغة المحتوى فصيحة البيان، ليس لها من حظ في معالم التطبيق العملي والفعلي الذي يرجوه أصحابها منها. وللحقيقة لابد من القول أن كثيرا من تلك البرامج المطروحة في سوق العمل الإسلامي قد وقعت في هذه الحالة المرضية ونعني بعدها عن الواقع وعدم جدواها، رغم أنها كانت مجدية وعملية وقابلة للتطبيق والعطاء في وقت من الأوقات لأنها تحجرت وتصلبت مع الزمن ولم يتمكن أصحابها من تطوير واقعها على صعيد التكتيك والمحتوى بما يتلاءم مع تسارع الزمن والحدث الذي غدا رهيبا في عالمنا المعاصر. فما كان مناسبا في الثلاثينيات غدا غير مناسب في الأربعينيات فكيف به ونحن على أعتاب نهاية القرن العشرين ... إن كثيرا من تلك الطروحات تبدو في واقعها المتحجر بعد انقضاء هذا الزمن الطويل عليها، وتمسكها بقدسية هشة تحاط بها آراء المنظرين الأوائل بطريقة لاشك أنها بعيدة عن تفكيرهم أنفسهم لو عادوا للحياة الآن، تبدو طروحات بالية فارغة أكثر منها طروحات جادة عملية. إلا أنها لا زالت تجني ثمار الهالة التي حققها لها المجددون الأوائل، وتعيش على فتات فضلهم السالف عبر واقع موغل في الفقر والإفلاس والبعد عن العطاء.

ولئن كان هذا المرض العضال قد أصاب العديد من الجماعات السياسية من مختلف مناطق العالم، فإن المهتم بأمر الحركة الإسلامية والذي يعلق الأمل عليها كطريقة للخلاص والتقدم في سائر بقاع العالم لابد له من أن يلاحظ أن حظ الحركة الإسلامية من هذا المرض الخطير العضال وافر إلى حد مؤسف بل ومخيف. فقد خلط معظم القائمين على أمر هذه الحركات بين روعة فكر المجددين والمنظرين الأوائل لهذه الحركات ووفرة حظه على صعيد القيمة الفكرية والتجديدية وغيرها من المميزات، وبين أساليب أولئك الدعاة التي كانت مناسبة لهم في عصرهم ذاك، فأسبلوا على تلك الأفكار والأساليب رداء من القدسية الذي يشبه كثيرا ثياب الكهنوت، وغدت عندهم شبيهة بحديث من لا يرد كلامه صاحب القبر الشريف صلى الله عليه وسلم، فغدت طريقا وسنة ومنهجا لا يتطور على صعيد الأسلوب والطرح وغدا كل صوت نزيه يرتفع من الصف مطالبا بالحركية والتجديد وملائمة الواقع نوعا من الهرطقة الدينية سرعان ما يوصف صاحبه المخلص المندفع في جبينه بخاتم التطرف والانشقاق والتعجل ... الخ. وغالبا ما ينكفئ أولئك المساكين على أنفسهم فيخرجون من تلك القافلة المسكينة الموغلة في التيه وصحراء الفشل وضياع الجهود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت