فهرس الكتاب

الصفحة 472 من 564

فلا بد للنفوس التي نذرت نفسها لله، واتخذت لها موقفًا على هذا الثغر الخطير من الإسلام، أن توطن نفسها على التحمل وتتزود وخير الزاد التقوى .. فالعبادة زاد، والقرآن زاد، والعلم زاد، والإعداد العسكري زاد .. وزيادة الإيمان وتصحيح العقيدة خير الزاد .. فالطريق شاق وللمجاهدين صفات وهم مراتب .. والفائز من ثبت الله فؤاده. فالمفروض بمن يتصدى لهذه الذروة، أن يأخذ هذا بعين الاعتبار، وهذا في حق من يتصدى لقيادة العمل الإسلامي الجهادي وتربية المجاهدين وإعداد العدة ليوم اللقاء أولى .. فإن الذروة التي تقوم على قاعدة هشة لا تلبث أن تنهار .. وإن العزم وحده على ركوب هذا الطريق لا يكفي، فلا بد من التزود، ولا بد من توضيح الصورة، وتوطين النفس على التحمل، والاستعانة بالله أولًا وآخرًا .. ولكن هذا لا يعني أن يكون هذا الكلام ملاذًا لكل متخاذل جبان، يريد أن يدخل دوامة الإعداد اللانهائي دونما خطة واضحة، ودونما جدول مبرمج، فالإعداد واجب ولكنه مرحلة وليس هدفًا، والهدف هو الجهاد هو الجهاد لإعلاء كلمة الله، وإقامة حكمه، والله يعلم السر وأخفى .. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب فقه الجهاد من الفتاوى الكبرى: (ولهذا كان الجهاد سنام العمل وانتظم جميع سنام الأحوال الشريفة، ففيه سنام المحبة كما في قوله:"فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم"وفيه سنام التوكل وسنام الصبر، فإن المجاهد أحوج الناس إلى الصبر والتوكل، ولهذا قال الله تعالى:"والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا، لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون، الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون"وقال موسى لقومه:"استعينوا بالله واصبروا، إن الأرض لله يورثها لمن يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين"، ولهذا كان الصبر واليقين -الذين هما أصل التوكل- يوجبان الإمامة في الدين، كما دل عليه قوله تعالى:"وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون"، ولهذا كان الجهاد موجبًا للهداية التي هي محيطة بأبواب العلم، كما دل عليه قوله تعالى:"والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا"فجعل لمن جاهد فيه هداية لجميع سبله تعالى ولهذا قال الإمامان عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما: إذا اختلف الناس في شيء، فانظروا ماذا عليه أهل الثغور، فإن الحق معهم لأن الله تعالى يقول:"والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا".

وفي الجهاد أيضًا حقيقة الزهد في الحياة الدنيا، وفي الدار الدنيا، وفيه أيضًا حقيقة الإخلاص، فإن الكلام فيمن جاهد في سبيل الله لا في سبيل الرياسة، ولا في سبيل المال، ولا في سبيل الحمية، وهذا لا يكون إلا لمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وأعظم مراتب الإخلاص: تسليم النفس والمال للمعبود، كما قال تعالى:"إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون"والجنة اسم الدار التي حوت كل نعيم أعلاه للنظر إلى الله، إلى ما دون ذلك مما لا تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين مما قد نعرفه وقد لا نعرفه، كما قال الله تعالى فيما رواه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت