عندهم الرغبة في الأسفار؛ فجابوا جميع أنحاء العالم الإسلامى، ليلقوا العلماء، ويغشوا مجالس العلم.
وهذا الاتصال الحى بين العلماء، وتأثيرهم في بعضهم بعضا، لا ينبغى على العموم إغفاله، عند مناقشة التطور الذى مرت به الفروع المختلفة، وكذلك الاشتغال بالعلوم، وذلك كيلا تفترض فروض، يتبين فيما بعد أنها غير صحيحة (انظر مثلا: تاريخ التراث العربى. (Iv ,12
وما يعنينا أساسا، وفى هذا المقام، هو بيان أن الآثار الشعرية لأقاليم المشرق، وقبل كل شئ في مركز الخلافة، في القرون الأولى خاصة، كانت معروفة أيضا في القسم الغربى من محيط الثقافة الإسلامية، وأنه في بادئ الأمر لا نتبين بعد تطورا خاصا في الأقاليم المختلفة، وبحسبنا هنا أن نجتزئ بذكر مثالين من بين أمثلة وافرة، على أن الشعراء في القسمين الشرقى والغربى كانوا على معرفة جيدة/ بشهرة زملائهم، وبمستواهم العلمى: / فقد درج عباس بن ناصح الثقفى (المتوفى نحو سنة 238/ 852، يأتى ذكره ص 673) ، من شعراء الحكم ابن هشام، على أن يسأل المسافرين عن أحوال الشعراء والشعر في مركز الخلافة؛ ليكون على علم دائم بأحوالهما، وكما تخبرنا المصادر، فإن الثقفى قام برحلة لمجرد التعرف إلى أبى نواس، الذى ترامت شهرته إليه، ويتجلى مما دار بينهما من حديث أن أبا نواس كان كذلك على علم حسن بمعاصريه من الشعراء في الأندلس [5] وكذلك رحل الأديب الشاعر عثمان بن المثنى القيسى (ولد سنة 174/ 790، وتوفى سنة 273/ 886) إلى المشرق، وقرأ على أبى تمام ديوانه، ثم أدخله الأندلس [6] .
من الجلىّ أن الشعر الذى تعهّدوه بالأندلس، وكان ممثلوه الأوائل من العرب الأمويين
(5) انظر: طبقات النحويين، للزبيدى 284، 286، تاريخ علماء الأندلس، لابن الفرضى (طبعة ثانية) 1/ 340 - 341
(6) انظر: طبقات النحويين للزبيدى 288، وقد سبق ذكره ص 554، وراجع: