وأنه ينبغى أن نضع في اعتبارنا أن رواية الشعر عن طريق التدوين كانت أوسع انتشارا مما يقول به هؤلاء، ولا يعنى هذا أن كل ما وصل إلينا من شعر الجاهلية وصدر الإسلام أصيل، ولكننا نهتم في هذه المحاولة بإزالة الشك المفتعل في أصالة هذا الشعر، ومحو التصور القائل بأن الرواية كانت بالمشافهة وحدها على مدى مائتين أو مائتين وخمسين عاما. ومن المؤكد أنه في مجال الشعر، وفى مجال الحديث الشريف أيضا، قد وجد دس وأخطاء وخلط وانتحال، وذلك على الرغم من التدوين المبكر، ولكن لا بد أنّ التدوين بالكتابة قد وضع لهذه التحريفات ولذلك الانتحال حدودا، وقد رأينا من قبل أن بعض العارفين بالشعر العربى، مثل: ليال [171] ، وبروينلش، قد وصلوا، بمجرد البحث في البنية الداخلية لذلك الشعر، إلى الاقتناع بأنه أصيل إلى حد بعيد، وإذا كان هؤلاء العلماء محقين في حكمهم، فإن هذه الأصالة لم تكن ممكنة إلا عن طريق التدوين، بالإضافة إلى روايته بالطريق الشفوى، ولولا الاعتراف بأصالة الشعر الجاهلى إلى حد بعيد لما استطاع جرينيباوم أن يقوم بمحاولة وضع تصنيف زمنى لشعراء الجاهلية الكبار، بأن قسم شعراء العربية المبكرين إلى ست مجموعات أو مدارس [172] .
ولا بد من إعادة التفكير فيما نسب إلى حماد الراوية وخلف الأحمر [173] من نحل الشعر، وذلك في ضوء القول بالتدوين المبكر للشعر العربى وتقييده في الدواوين، إن آلورد
(171) هنا تجدر الإشارة إلى عرضه للموضوع في مقدمة ترجمة شروح المفضليات (1918) ص 24: «كثير من هذه الأشعار القديمة بها عدم اتصال، وثغرات تبدو طبيعية في قطع لم تدون (كذا عنده، ولكن انظر ص 19 في أولها) ولكنها حفظت في الذاكرة ورويت على مدى أجيال من الرواة، الأمر الذى يستبعد افتراض الانتحال تماما.
وكثير من هذه الأشعار لها نص متتابع بدرجة معقولة، وفى آخرها تلحق أبيات يظن أنها منها، وليس لها مكان في القصائد نفسها، وهذا أمر لا يطرد مع الانتحال. وفوق هذا فإن الانطباع القائم على الدراسة الدقيقة لهذه البقايا القديمة أنه يجب علينا أن نأخذ هذه القصائد بصفة عامة، بوصفها إنتاج الرجال الذين تحمل أسماءهم.
وسنناقش مدى صحة ذلك في المقدمة الخاصة بكل قطعة شعرية، وفى التعليقات الملحقة بها، حيث تبحث القضايا المشكوك فيها».
(172) عن التصنيف الزمنى للشعر العربى المبكر. انظر: ما كتبه جرينيباوم
(173) انظر: كتاب آلورد، عن خلف الأحمر ص 2، وبحثه عن أصالة الشعر: