كل تعظيم لشيء عبادة له شرعا حتى يكون شركا؛ بل منه ما يكون وابا أو مندوبا إذا كان مأمورا به أو مرغبا فيه ومنه ما يكون مكروها أو محرما ومنه ما يكون مباحا. ولا يكون التعظيم لشيء شركا حتى يقارنه اعتقاد ربوبية ذلك الشيء أو خصيصة من خصائصها له، فكل من عظم شيئا فلا يعتبر في الشرع عابدا له إلا إذ اعتقد فيه ذلك الاعتقاد وقد استقر في عقول بني آدم ما اموا على سلامة الفطرة أن من ثبتت له الربوبية فهو للعبادة مستحق ومن انتفت عنه الربوبية فهو غير مستحق للعبادة فثبوت الربوبية واستحقاق العبادة متلازمان فيما شرع الله في شرائعه وفيما وضع في عقول الناس.
وعلى أساس اعتقاد الشركة في الربوبية بني المشركون استحقاق العبادة لمن اعتقدوهم أربابا من دون الله سبحانه. ومتى انهدم هذا الأساس من نفوسهم تبعه ما بنى عليه من استحقاق غيره للعبادة ولا يسلم المشرك بانفراد الله تعالى باستحقاق العبادة حتى يسلم بانفراده عز وجل بالربوبية وما دام في نفسه اعتقاد الربوبية لغيره عز وجل استتبع ذلك اعتقاده في هذا الغير الاستحقاق للعبادة، ولذلك كان من الواضح عند أولى الألباب أن توحيد الربوبية وتوحيد الأوهية متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر في الوجود وفي الاعتقاد، فمن اعترف بأنه لا رب إلا الله. كان معترفا بأنه لا يستحق العبادة غيره ومن أقر بأنه لا يستحق العبادة غيره كان مذعنا بأنه لا رب سواه وهذا الثاني هو معنى (لا إله إلا الله) في قلوب جميع المسلمين، ولذلك نرى القرآن في كثير من المواضع يكتفى بأحدهما عن الآخر ويرتب اللوازم المستحيلة على انتفاء أي واحد منهما، ليستدل بانتفائها على ثبوته. فانظر إلى قوله تعالى (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) وقوله تعالى (وما كان