اعدل يا رسول الله، فقال ــ رغم أنفه ــ إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، فقابله بحلمه المعهود وقال صلى الله عليه وسلم: ويحك فمن يعدل إن لم أعدل؟ خبت وخسرت إن لم أعدل، ثم قال كلمة تركها آية بافية على نبوته، وبرهانا ساطعا من براهين صدق رسالته صلى الله عليه وسلم، وهي قوله الشريف: (( من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ويلهمه رشده، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال طائفة من هذه الأمة ) )الخ ما سبق.
وفي هذا الحديث الشريف نذارة وبشارة: أما لنذارة فهي الإشارة إلى أنه لن بزال في الأمة من أمثال هذا الخارجي شذاذ في الأجيال المتعاقبة بين معلن ومتستر يدعو إلى الباطل باسم الحق، وإلى البدعة باسم السنة، ويهدم وهو يدعى أنه يبني.
وأما البشارة فهي التصريح بأنه لا خوف على الدين من هؤلاء الهدامين فلن يهدموا إلا أنفسهم، وأن الله حارس دينه، فلا يزال عليه السواد الأعظم من أمته، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله.
وقد تحقق كلا الأمرين جميعا: ما أنذر به وما بشر به: فنسأل الله تعالى النجاة من البدع، والحياة والوفاة على السنن، فإنا في زمان قد اشتد فيه ساعد الجهل، وغطى الخمول البقية الباقية من أهل الفضل، بل انتقل الكثير منهم إلى جوار ربه، وعجز الكثير من حماة هذا الدين أو جبنوا عن المجاهرة بما يعرفون من الحق الذي ائتمنهم الله عليه؛ وأخذ العهد عليهم ليبيننه للناس ولا يكتمونه، فساد الفساد بين العامة وانتشر الجهل بين المنسوبين إلى الخاصة. فأصبح إمام الضلال بينهم إمام الهدى، وصار شر الدعاة إلى البدعة ملقبا عندهم بناشر لواء