فهرس الكتاب

الصفحة 284 من 532

أفلا يكون نفي خروجهم من النار على هذا الوجه الأبلغ دليلا على أبدية النار؟. وكذلك قال تبارك وتعالى في فريقي الأشقياء والسعداء (خالدين فيها ما دامت السموات والأرض) ومعناه التعبير عن أبدية الخلود للدارين وأهلهما بطريق الكناية على عادتهم، ولكنه سلك فيها الأسلوب الأعلى فإنهم يقولون في الكناية عن الدوام والأبدية لا أفعل كذا ما بل بحر صوفة، وما دام هذا الجبل. وهذه الكناية تقول ما دامت السموات والأرض، ولا يراد بها إلا الدوام والأبدية، كما يعرف ذلك من أساليبهم وموارد استعمالاتهم. وفي القرآن كثير غير ما ذكرنا صريح في أبدية دار العذاب وأهلها، أفير تاب بعد هذا منصف في أن القرآن على ذلك قطعي الدلالة؟

(دفع التباس يرمى به الوسواس الخناس)

فإن قلت فما معنى قوله تعالى في سورة الأنعام في خطاب الكفار يوم القيامة (النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله) ؟ قلت: معنى هذا الاستثناء في الكلام العزيز المبالغة في أن خلودهم أبدي في دار العذاب لا مخلص لهم منه البتة إلا أن يشاء الله خلاصهم منه وهو مما لا يشاؤه كما قال (إن الله لا يغفر أن يشرك به) وكما قال (لم يكن الله ليغفر لهم) وكما قال (وما هم بخارجين منها) ولكنه أخرجه مخرج الاستثناء وعلى صورة الإطماع لهم تهكما بهم وتشديدا للأمر عليهم ببيان أن ذلك الخلاص الذي يطلبونه ليس مربوطا إلا بمشيئته وحده، وهو لا يشاؤه، وفيه من الفوائد غير ما ذكر أن الأمور كلها مربوطة بمشيئته لا يجب عليه منها شيء فلو شاء ألا يخلدهم في دار العذاب خلودا أبديا لفعل، ولكنه لا يشاء ذلك كما أخبر عن نفسه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت