مثلا ــ فله أن يقلد من لا يقول بنقض الوضوء به، ولهذا ثبت عن الإمام الأجل إمام دار الهجرة مولانا مالك بن أنس أنه لما ألف كتابه الموطأ عجب به الخليفة العباسي (وحق له أن يعجب به) فاستأذنه أن يحمل أهل الأمصار على العمل به وترك ما خالفه من الفتاوى ولو بالسيف، فنهاه وقال: لا تفعل يا أمير المؤمنين ودع الناس وما هم عليه من الأخذ بما وصل إليهم من علمائهم (والعلماء يومئذ علماء) وإن الله قد جعل اختلاف علماء هذه الأمة في الفروع رحمة لها. اهـ. فرحم الله على هذا الإمام وإخوانه وتلاميذه فكلهم كانوا كذلك تأسيا بشيوخهم من التابعين وشيوخ شيوخهم من أصحاب سيد المرسلين ونبيهم عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام.
وهذه خصيصة أهل السنة لا ينكرون على من خالفهم فيما يسوغ الخلاف فيه أمات نور الإسلام منهم ظلمات العصبية الباطلة، والإعجاب بالرأي، بل نقل عن أئمتهم نهى نظرائهم عن تقليدهم فيما رأوا حتى ينظروا كما نظروا، ولم يجدوا في أنفسهم حرجا من خلاف من خالفهم إذا كان أهلا للأخذ من حيث أخذوا.
وإنما قال من العلماء المتأخرين بإغلاق باب الاجتهاد
الجهل قد انتشر، والعلم قد قل، والورع قد نقص، والهوى قد غلب، حتى ادعى هذه الرتبة العليا لنفسه من بينه وبينها أبعد مما بين الأرض والسماء، وما بين الظلام والضياء، لا يعرف من قواعد علوم العربية ظواهر ها فضلا عن دقائقها وخوافيها. ولا يدري من أصول علم الاستنباط القليل فضلا عن الكثير. ولا يدري مواقع الإجماع، ولا حيث يصح القياس، وحيث