للذي فطر السموات والأرض) يعني والمفطور لا يصلح لذلك. وعن الكلم إذ قال: (ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى .. ) ومثل ذلك في الكتاب العزيز كثير. وقد بسطنا ذلك جد البسط في كتابنا (فرقان القرآن) ولله الحمد. وقد أفاض حجة الإسلام الغزالي في كتابه (القسطاس المستقيم) في بيان هذا المعن. واستدلال الخليل والكليم بما يسمى في المنطق بالقياس الاقتراني في شكله الأول أو الثاني وبالقياس الاستثنائي. وقد أصاب وأجاد كل الإجادة رضي الله عنه. وليس شرح ذلك من غرضنا في هذه العجالة. وكذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في محاجته لأهل الباطل، يعرف ذلك من أنعم النظر في كلامه صلى الله عليه وسلم، ولذلك لما كثر المبتدعون في إنكار أصول الدين أفاض المصنفون في الاستدلال عليها على الطريق التي أرشد الله إليها في كتابه حتى بانت واضحة جلية، لا يشك من تفقه فيها في ابتداع من خرج عن شيء منها وقال بخلافه، وزعم أنه رأى السلف فلم يمكن بعد ذلك أن تروج بدع أولئك المارقين على من تفقه في أصول الدين.
وأما الرحمة والإنعام والفضل على هذه الأمة في وجود الخلاف بين المجتهدين فيما يسوغ فيه الاجتهاد فذلك أظهر من أن يحتاج إلى بيانه، فان أكثر الناس لا يصلحون لهذا الاجتهاد لا سيما بعد القرون الأولى، فواجبهم التقليد للمجتهدين الذين هم أهل لتلك الرتبة العليا المبين شروطها في علم أصول الفقه، فواجبهم حينئذ تقليد أي مجتهد من أولئك. فمذاهب المجتهدين في حقهم بنزلة شرائع متعددة يسلك العبد منها ما شاء فيصل بذلك إلى رضوان الله إلى الجنة. فمن كان مبتلى بخروج الدم من أسنانه ــ