الحقيقة وبالعكس. وهم أعمق علما وأكثر فقها، شاهدوا الوحي، وعرفوا أسباب النزول. هذا عبد الله بن مسعود يقول: ما من آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت وفيم نزلت، ولو أعلم أن أحدا أعلم بكتاب الله منى لضربت إليه أكباد الإبل، فما ظنك بالخلفاء الراشدين ومن داناهم في الفقه وكانوا كلهم الجماعة لهذه الأمة ولم ينشق منهم أحد في هذه الأصول ولا في شيء منها، وقد ورثوا علمهم لمن لازمهم من التابعين، وهكذا دواليك، توارثت الكثرة العظمى من العلماء علم أصول الدين ففي كل قرن الجماعة متحققة، وأصول الدين بينهم منشورة متعارفة. ولله الحمد. ولذلك اشتد النكير من الصحابة فمن بعدهم على من خالف في شيء منها ورموه بالبدعة المخرجة عن الملة أو عن كمالها، كما يعرف ذلك باستقراء التاريخ الصحيح.
وقد ظهرت أوائل تلك البدع والأهواء في عصر الصحابة والتابعين فردوا عليهم أبلغ الرد وجاهدوهم بالسيف واللسان، وبينوا رجوع المتشابه إلى المحكم، وكيف لا وهم أفقه الناس بقوله تعالى (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) إلى قوله. (وما يذكر إلا أولوا الألباب) وصح لهم عن نبيهم عليه وعليهم الصلاة والسلام (إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك هم الذين سمى الله فاحذروهم) وروى الإمام ابن جرير الطبري بسنده عن التابعي الجليل قتادة بن دعامة قال: كان قتادة إذا قرأ هذه الآية (فأما الذين في قلوبهم زيغ) ــ قال: إن لم يكونوا الحرورية والسبئية فلا أدري من هم؟ ولعمري لقد كان في أهل بدر والحديبية الذين شهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة