أبا الصهاء قال لابن عباس: هات من هناتك. يعني حدثنا عن هذا الخبر المستغرب المستبعد.
فإذا كان الأمر كما وصفنا لك وهو كما وصفنا ــ إن شاء الله ــ لم يحتج الخبر إلى كثير كلام؛ فإن الجواب إنما يكون على قدر السؤال والسائلين. والسائلون يعلمون في هذه المسألة منسوخها وناسخها، وكل ما يسألون عنه هو أنه هل هناك ناس جهلوا الناسخ وعملوا بالمنسوخ، لا سيما والناسخ قرآن يتلى، وأحاديث كثيرة، ولعلهم سمعوا الكثير منها عن شيخهم ابن عباس؛ ولذلك قال طاوس للحبر (( أتعلم إنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وثلاثا من إمارة عمر ) )؟ فلم يزده الحبر على أن قال نعم؛ فإنه يعلم أن سائله إنما يريد أن يستفسر عن شيء يستبعده، وهو وجود جاهلين بالمنسوخ لهذه المدة، فليس الحبر في حاجة إلى أن يذكر لهم الناسخ، فهم به عالمون، ومنه تعلموه، وعنه أخذوه، فلو أن سائلا سألك هل صلى الناس إلى بيت المقدس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقلت نعم، واكتفيت بذلك عن قولك (( ثم نسخ ذلك ) )لعلمك أن مخاطبك يعلم النسخ والناسخ وإنما محل ريبته أكان ذلك المنسوخ معمولا به أم لا، فقول الحبر في الطريق الأولى (( كان الطلاق .. الخ ) )كان جوابا لسؤال طاوس كما وضحته الطريق الثانية وأفادت الطريق الثالثة: أن سائلا آخر وهو أبو الصهباء كان مع طاوس في حاجة إلى البيان، وعادة مسلم التي امتاز بها كتابه جمع الطرق في الحديث الواحد في الموضع الواحد ليعين القارئ على فهم القصة كاملة، فرحمه الله وأجزل عطاءه.