العدد وتربى بكثير وفي الجملة لا يجحد علم الكلام إلا أحد رجلين؛ جاهل ركن إلى التقليد وشق عليه سلوك أهل التحصيل، وخلا عن طريق أهل النظر والناس أعداء ما جهلوا، فلما انتهى عن التحقيق بهذا العلم نهى الناس ليضل غيره كما ضل. أو رجل يعتقد مذاهب فاسدة فينطوي على بدع خفية يابس على الناس عوار مذهبه ويعمى عليهم فضائح طويته وعقيدته ويعلم أن أهل التحصيل من أهل النظر هم الذين يهتكون الشتر عن بدعهم ويظهرون للناس قبح مقالتهم إلى آخره. وقد ذكرها بطولها مع القصة التي استوجبتها العلامة التاج السبكي في كتابه طبقات الشافعية في الجزء الثاني منه.
والخلاصة أن الكلام الذي نهت الأئمة عن الخوض فيه هو كلام المبتدعة الذي زوروه لترويج بدعهم ووضعوا فيه المصنفات المشحونة بالشبه على زعم أنها حجج فخافت الأئمة على الضعفاء من أتباعهم أن يعلق بأذهانهم ما لا يستطيعون الخلاص منه لضعف استعدادهم أو قلة جودة قرائحهم وقد صدق القائل: ما كل سابح يقدر على السباحة في كل بحر، ولا كل ربان يصلح لقيادة كل سفينة. ومن أحسن العوم في ترعة بلده لا ينبغي أن يجازف بالدخول في الأنهار المغرقة فضلا عن البحار الشاسعة والمحيطات المهلكة، ولما اشتد جدل المبتدعة بعد ذلك واتسع الخرق على الراقع، لم يجد أهل الحق بدا من التشمير عن ساق الجد وساعد الكد في النظر في الكتاب العزيز واستخراج درر أصول الدين من بحاره العذبة، وحججها الواضحة التي ترد بها المتشابهات إلى المحكمات، ويتبين بها تلبيس المبتدعة على العامة كالقدرية والجهمية والحشوية وسائر المبتدعة فناظر وهم