التحقيق أن ذلك من الممكنات الداخلة تحت القدرة الإلهية التي لا يعجزها شيء. وقد دلت الأحاديث الصحاح على حصوله فوجب المثير إليه.
وإذا عرفت أن الميت المسلم قد ينتفع بسعي غيره من المسلمين إذا وهبه له أو دعا له بثوابه، بدلالة الكتاب والسنة والإجماع وغيرها، تبين لك أن المفهوم من قوله تعالى (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) من أنه ليس للإنسان من سعى غيره شيء هو من العام الذي خصصته الأدلة. وليس باقيا على عمومه. وقد قال تعالى (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) وقد عرف من أدلة السنة السابقة: أن الإنسان الذي لا ينتفع بسعي غيره إنما هو الكافر، وكذلك المسلم إذا لم يوهب الثواب إليه، أو لم يدع به له. وتبين لك أنه لا إشكال بقوله صلى الله عليه وسلم (( إذا مات الإنسان انقطع علمه إلا من صدقة جارية ) )الحديث. فإن هذا الواصل إليه عمل غيره لا عمله.
وقد علمت مما مرأن من أهدى ثواب عمل من أعماله لغيره من المسلمين فقد تقرب إلى الله بما يحبه من نفع عباده، فيكون له بذلك الأجر الكثير والثواب الجزيل الذي يربو على ثواب ما أهداه من العلم، ألا ترى إلى ما سبق في حديث الدار قطنى من ان من قرأ سورة الإخلاص إحدى عشرة مرة إذا دخل المقابر ووهب أجرها للأموات، أعطى من الأجر بعدد الأموات. وكذلك ما سبق في قراءة سورة يس، فليس هذا الإهداء رغبة عن الثواب، بل هو كمال رغبة في مزيده. وقد رافق التوفيق في هذه المسألة ابن القيم فتبع أهل الحق فيها، وبسط الكلام عليها في كتاب (( الروح ) )له