الذين وقعوا في هذه الورطة وغاب عنهم رحمهم الله أن الكلام الذي نهى عنه الشافعي وغيره هو ما رد به المبتدعة على أهل الحق وروجوا به بدعهم، وليس المراد به علم الكلام الموضوع للدفاع عن السنة وما عليه الجماعة. ولبسط القول فيما يجب لله تعالى وما لا يجوز عليه وسائر أصول الدين وإقامة الحجج على ذلك من المنقول الصحيح والمعقول المستقيم ومناقشة المبتدعة ودفع شبههم الزائفة. وهذا لا ينهى عنه، وإنما هو من فروض الكفايات، وهل يجوز لعلماء الدين أن يسكتوا عن بيان الحق الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوضحه كتاب الله إذا جد المبتدعة في إظهار بدعهم والدعوة إليها بما يروجها على العامة من زخرف القول؟ هذا ما لا يصح عند العقلاء فضلا عن أكابر أهل الفقه في الدين. فما كان ينبغي لهذا الصنف من المحدثين أن يقعوا في مثل هذا الغلط لكنه الإنسان لا يخلو من السهو والغفلة والنسيان. ومن أوتي من ناحية جهله بهذا الفن الشريف المسمى بعلم الكلام أو علم أصول الدين يرجى له الرجوع عما وقع فيه وتسرع إليه كما قدمنا لك عن ابن خزيمة وله في أهل العلم أشباه ولذلك قلنا إنه أخف الرجلين.
أما الرجل الثاني فهو مبتدع صاحب هوى لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه، وهذا الصنف يلقبون بين أهل الحق بالمشبهة لتشبيههم الخالق بالمخلوق فيما لا يجوز عليه سبحانه مما يستلزم الحدوث والإمكان كالصورة والأجزاء والجهة والمكان والحركة والانتقال، وإن تستروا فقالوا: ينزل بلا كيف، ويجلس بلا كيف، ورحم الله المحقق أبا الفرج بن الجوزي الحنبلي وكان تلميذا لبعض هؤلاء حيث يقول في