أليس في ذلك التصريح بأن من اعتقد تركب الذات العلية فما قدر الله حق قدره، وما آمن بأحديته؟ عياذا بالله من ذلك ــ والحاصل أن الباحثين من أهل الإسلام ف هذه المسألة انقسموا إلى ثلاث فرق فرقتان زائغتان عن محجة الصواب إحداهما أفرطت فبالغت في التوحيد حتى جعلته ينافي الاتصاف بصفات المعاني كالعلم والقدرة، والأخرى فرطت فقالت بأن الوحدانية فيه تعالى لا تنافي تركبه من الأجزاء وقبوله للانقسام وتعالى الله عما قال الفريقان: وتوسط الفريق الثالث وهم أهل الحق الذين هم أهل السنة والجماعة رضي الله عنهم فقالوا بما تقتضيه الأدلة الصحيحة من المعقول والمنقول وهو أن صفات الكمال في أعلى معانيها لا تنافي التوحيد بل التوحيد يوجب اتصافه بها وأن صفات النقص كالحدوث والإمكان وما يستلزم ذلك من التركيب وقبول الانقسام وما إليها هي التي توجب وحدته الكاملة وأحديته العلية التنزه عنها. وهذا هو الذي يقتضيه الفهم الصحيح لسورة الإخلاص لا سيما لمن أحاط بأسباب النزول وأنعم النظر في أدلة القرآن المنبثة في آياته العليا، وقد قررنا لك مرارا أن القرآن عربي المفردات والمركبات والأساليب والدلالات فمن احتج بشيء منه على هذه البدع فما عرف القرآن بل ولا أساليب العربية، فلا يغرنك ما ترى في تلك الكتب من التهويل بأن القرآن صريح في كذا، والسنة صريحة في كذا، من الجهة والمكان وصفات الأجسام، فإن هذه الصراحة إنما هي في الأفهام العامية القاصرة والأذهان البليدة الفاترة، أما أهل العربية الفصحى من الصحابة والتابعين والمتفقهين في أصول الدين وأسرار اللغة فإنهم يعلمون مستيقنين أن الكتاب والسنة بمعزل عما افتروا وبمنأى عما زعموا، ولله الحمد: ولولا أنا بنينا هذا