ولو لم يكن شيء من هذه الأدلة لكان في القياس الجلي ما ينهى كل ذي نهية عما وقع فيه أولئك المبتدعة من القول بأن السفر إليها حرام بالإجماع فلم يكتفوا بالكذب على الله في دعوى التحريم لما هو من سنن دينه وفضائل شرعه حتى أضافوا إليه الكذب على علماء المشارق والمغارب قديما وحديثا أنهم قائلون بما افتروه. فنعوذ بالله من الفتن والبهتان. وبيان هذا القياس.
أن زيارة القبور مما أجمع عليه العلماء ودلت عليه صحاح السنة من قوله وفعله عليه الصلاة والسلام: ففي صحيح مسلم وغيره قوله عليه الصلاة والسلام (( كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها ولا تقولوا هجرا ) )والهجر بضم الهاء وسكون الجيم: القبيح من القول. وفي هذا الحديث الشريف الإشارة إلى أن نهيهم عنها إنما كان لقرب عهدهم بالجاهلية وقد كانت عادتهم إذا ذهبوا إليها أظهروا الجزع وقالوا الهجر وجددوا النياحة والتعديد. فلما استقر الإسلام في النفوس وخالطت بشاشة الإيمان القلوب نسخ هذا النهي إلى الأمر بها وبيان أنها ترقق القلب وتزهد في الدنيا وترغب في الآخرة كما هو مصرح به في بعض الأحاديث الثابتة. وصح أنه عليه الصلاة والسلام كان يزور أهل بقيع العر قد ــ بالغين المعجمة على وزن جعفر، وهي جبانة المدينة المنورة، ويدعو لمن فيها. وصح عن عائشة أنها قالت قلما كانت ليلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا زار من آخرها أهل بقيع الغر قد فدعا لهم، وصح عنها أنها قبل أن تعلم ذلك كان صلى الله عليه وسلم عندها في ليلتها فانسل من تحت لحافها وخفف