لفظة كان في قوله عليه الصلاة والسلام (كان الله) تامة لا تحتاج إلى خبر وهي للأزلية، والواو في قوله: ولم يكن شيء غيره للحال، والمعنى أنه تعالى متحقق الوجود أزلا بلا ابتداء حين لا شيء من الأشياء، وأما كان في قوله (وكان عرشه على الماء) فهي للحديث، ومعناها أن الله بعد أن لم يكن شيء غيره خلق الماء وخلق العرش وكان العرش على الماء قبل أن تخلق السموات والأرض وما فيهن: ثم خلق السموات والأرض، وليس المعنى أن كينونة العرش على الماء مقارنة لوجوده الذي ليس له ابتداء، تعالى سبحانه عن أن يكون شيء من الأشياء مقارنا لوجوده عز وجل عرش أو ماء، أو أرض أو سماء، أو ملك أو فلك.
وإيضاح المسألة: أن السائلين رضي الله عنهم سأوه عليه الصلاة والسلام عن أول موجود فأفادهم صلى الله عليه وسلم بقوله (كان الله ولم يكن شيء غيره) أن الموجود الأول هو الله، لا افتتاح وجوده، ولا شيء معه، وبقى الأمر كذلك ما شاء الله، حتى إذا جاء الموعد الذي اختاره الله لابتداء الخلق بإرادته العلية، ومشيئته المقدسة التي لا حجر عليها، خلق الماء والعرش، وكان العرش على الماء ولم يكن بينهما أرض ولا سماء، ودلت الأحاديث الصحاح على أنه بعد ذلك خلق القلم واللوح، وعلى أنه حين خلق القلم أجراه سبحانه على اللوح مما سبق في علمه من الأقدار، ثم خلق السموات والأرض وما فيهن بعد مقدار خمسين ألف سنة ــ كما سبق في حديث مسلم ــ ويصح أن تكون الواو في قوله عليه الصلاة والسلام (ولم يكن شيء غيره) عاطفة على الجملة التي قبلها وهو قوله (كان الله)