وأهل البصائر يعلمون أن هذه الحياة الدنيوية التي صحح هؤلاء معها الاستغاثة هي موت بالإضاقة إلى ما تفضل الله به على الشهداء في برازخهم من الحياة، وهكذا نسبة ما نال الشهداء إلى ما نال الصديقون والنبيون منها ويتضاعف ذلك إذا وقعت النسبة بين هذه الأنواع وبين ما أوتيه في برزخه سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم من الحياة وتوابعها من العلم والسمع والبصر والاقتدار على النفع والضر بإذن ربه عز وجل. وقد صحت الأحاديث بحياة أهل القبور من المؤمنين واوازمها من السمع والبصر والكلام ورد السلام والتزاور فيما بينهم، والقدرة على دعائهم للأحياء من أهل الدنيا لا سيما لقرابتهم وزوارهم، فالمعنى الذي أجاز له هؤلاء المبتدعة الاستغاثة بالأحياء بحجة أنهم سامعون قادرون حتى لم يخرجوهم بها إلى الشرك هو موجود على أتم وجوهه في عامة المؤمنين بله الخاصة من الصالحين، بل صح أنه عليه الصلاة والسلام لما نادى أهل القليب بأسمائهم وأسماء آبائهم وهم صناديد الكفر، وعظماء أهل الشرك بعد ثلاث من دفنهم فيه. قال قائل يا رسول الله وما تخاطب من أجساد لا أرواح فيها؟ وفي رواية من أقوام قد جيفوا بفتح الجيم وتشديد الياء المثناة، أي صاروا جيفا: فحلف لهم الصادق المصدوق على أن هؤلاء الذين ترونهم كما ذكرتم ليسوا كما ترون فقال (( والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ) )يعني صلى الله عليه وسلم، بل هم أسمع منكم لما أقول: ودعوى الخصوصية بلا دليل، بل مع قيام الدليل على انتفائها، غير مسموعة.
وأهل التحقيق بتفسير كتاب الله يعلمون أن سماع الموتى لا يرده قوله تعالى (وما أنت بمسمع من في القبور) فإنه ليس المراد به نفى السماع الحسى المتعارف