«فإنْ قلتَ» : من أين عرفوا ذلك حتى قالوا هذا القول؟
قلت: يحتمل أن يكونوا عرفوا ذلك بإخبار الله إياهم أو قاسوا الشاهد على الغائب، وقيل إنهم لما رأوا أن آدم خلق من أخلاط مركبة علموا أنه يكون فيه الحقد والغضب ومنهما يتولد الفساد وسفك الدماء فلهذا قالوا ذلك.
وقيل لما خلق الله تعالى النار خافت الملائكة، وقالوا لمن خلقت هذه النار؟ قال لمن عصاني فلما قال إني جاعل في الأرض خليفة قالوا هو ذلك.
«فإنْ قلتَ» : الملائكة معصومون فكيف وقع منهم هذا الاعتراض؟
قلت ذهب بعضهم إلى أنهم غير معصومين واستدل على ذلك بوجوه منها قوله أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ومن ذهب إلى عصمتهم أجاب عنه بأن هذا السؤال إنما وقع على سبيل التعجب لا على سبيل الإنكار والاعتراض فإنهم تعجبوا من كمال حكم الله تعالى وإحاطة علمه بما خفي عليهم، ولهذا أجابهم بقوله (إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ) .
وقيل: إن العبد المخلص في حب سيده يكره أن يكون له عبد آخر يعصيه فكان سؤالهم على وجه المبالغة في إعظام الله عز وجل