قوله تعالى: (وَالصَّابِئُونَ) ظاهر الإعراب يقتضي أن يقال: والصابئين، وكذا قراءة أبيّ بن كعب وابن مسعود وابن كثير من السبعة. وقرأ الجمهور بالرفع. ومذهب الخليل وسيبويه أنه ارتفع الصابئون بالابتداء على نية التأخير كأنه قيل إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ والصابئون كذلك فحذف خبره والحكمة في عطف الصابئين على من قبلهم هي أن الصابئين أشد الفرق المذكورة في هذه الآية ضلالا فكأنه قال: كل هؤلاء الفرق إذا آمنوا وأتوا بالعمل الصالح قبل الله توبتهم حتى الصابئون، فإنهم إذا آمنوا كانوا أيضا كذلك، وإنما سموا صابئين، لأنهم صبئوا عن الأديان كلها، بمعنى: خرجوا لأنهم صبئوا إلى اتباع الهوى والشهوات في دينهم ولم يتبعوا ما جاءت به الرسل من عنده الله.
«فإنْ قلتَ» : قد قال الله تعالى في أول الآية (إن الذين آمنوا) ثم قال في آخر الآية (فمن آمن) فما فائدة هذا التكرار؟
قلت: فائدته أن المنافقين كانوا يظهرون الإسلام ويزعمون أنهم مؤمنون، ففي هذا التكرار إخراجهم من قبيل المؤمنين فيكون معنى (إن الذين آمنوا) أي بألسنتهم لا بقلوبهم.
ثم قال: (من آمن) يعني من ثبت على إيمانه ورجع عن نفاقه منهم.
وقيل: فيه فائدة أخرى وهي أن الإيمان يدخل تحته أقسام كثيرة وأشرفها الإيمان بالله واليوم الآخر ففائدة التكرار التنبيه على أشرف أقسام الإيمان هذان القسمان.
وفي قوله (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ) حذف تقديره من آمن بالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ منهم، وإنما حسن هذا الحذف لكونه معلوما عند السامعين، (وَعَمِلَ صالِحًا) يعني وضم إلى إيمانه العمل الصالح وهو الذي يراد به وجه الله تعالى (فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) يعني في الآخرة.